هناك نبعٌ في جبلٍ فرنسي، يخرج من صخرةٍ ويجري نهرًا، ولم يُسمع أنه نضب يومًا لأنه أعطى كثيرًا. هذه هي المفارقة الأولى في الكرم: أن العطاء لا يُفقر النبع، بل هو الذي يجعله نبعًا. الماء الذي يبقى حبيسًا في حفرةٍ يفسد ويركد، والماء الذي يجري يبقى صافيًا وحيًّا. وكذلك القلب: الذي يحبس عطاءه يتعفّن ببطء، والذي يعطي يتجدّد.
وقد مررنا في مقال الطمع بمَن يجمع فلا يمتلئ، لأن الجمع يطلب المزيد دائمًا. والكرم هو الوجه الآخر لتلك العملة: ليس ضده كسلًا في السعي، بل ضده ثقةً في العطاء. الطمّاع يخاف أن ينقص، فيقبض يده، فتضيق. والكريم يعرف — أو يجرّب فيتعلّم — أن يده حين تنفتح تتّسع، وأن ما يُعطى لا يذهب إلى العدم، بل يذهب إلى مكانٍ آخر من القلب لا نراه بالعين.
ولعلّ نظرة كارل يونغ هنا تفتح بابًا: النفس التي تخشى نقصها الداخلي تتصرّف كمن يحمي خزانةً فارغة بقفلٍ ثقيل. القفل لا يملأ الخزانة، بل يخبر الجميع أنها فارغة. أما مَن يصالح نقصه الداخلي — أي يقبل أنه ليس مطالَبًا أن يكون كاملًا أو تامّ الغنى — فلا يعود يحتاج أن يقفل شيئًا، ويعطي بيسر، لأن يده لم تعد تحمل وظيفة الدفاع عن فراغٍ خائف. الكرم، في هذا المعنى، علامةُ نفسٍ لم تعد تحارب ظلّها.
الذهب الذي يجري لا الذهب الذي يُدفن
وفي الرمزية القديمة، كان الذهب صورةً لكمالٍ داخلي، لا لثروةٍ خارجية فقط — وهذا ما رآه يونغ في دراسته للكيمياء القديمة: الذهب رمزٌ لما يسمّيه «الذات»، ذلك المركز الأعمق في النفس الذي تسعى إليه كل رحلةٍ داخلية. والمشكلة ليست في الذهب نفسه، بل في دفنه: من يدفن ذهبه في الأرض يظن أنه يحفظه، بينما هو في الحقيقة يجمّد رمزًا كان يجب أن يتحوّل ويعطي ويتحرّك. الكرم هو ما يُخرج الذهب من قبره ويجعله حيًّا مرة أخرى: يشتري خبزًا، يبني بيتًا، يمسح دَينًا، فيصير — من مجرّد معدنٍ ثقيل — طاقةً تدور بين الناس، أقرب إلى الدم منها إلى الحجر.
انظر إلى هذا الكهف الذي رسمه كوربيه: صخرةٌ سوداء ثقيلة، ومن جوفها المظلم يتفجّر ماءٌ لا ينتهي. هذا هو سرّ الكرم الذي يصعب تصديقه إلا بعد تجربته: كأن العطاء لا يُخرج شيئًا كان مخزَّنًا فينفد، بل يفتح بابًا لشيءٍ كان يتجدّد طوال الوقت خلف الصخرة، ولم يكن يحتاج إلا أن نكفّ عن سدّ الطريق أمامه. ولهذا يشهد كثيرٌ ممن اعتادوا العطاء أن أيديهم لا تفرغ، بل قلوبهم هي التي تتّسع أولًا.
وقد لاحظت آن فرانك، وهي في العشرين من عمرها لم تتجاوزها بعد، هذا القانون النفسي بجملةٍ صغيرة كتبتها في إحدى مقالاتها:
لم يفتقر أحدٌ يومًا من العطاء.آن فرانك · من مقالتها «أعطِ»
وهذه ليست وعظًا أخلاقيًا فحسب، بل وصفٌ لقانونٍ نفسي: من يعيش خائفًا من النقص يظل يحسب كل شيء بمنطق «كم بقي لي»، فيصغر عالمه شيئًا فشيئًا. ومن يعيش واثقًا من الكفاية يحسب بمنطق «كم يمكن أن أعطي»، فيتّسع عالمه دون أن يشعر. المال نفسه لا يتغيّر، وإنما يتغيّر السؤال الذي نحمله في الصدر.
وقد ميّز الفيلسوف الروماني سينكا، في رسالته عن العطاء، بين حجم الهدية وروحها، وكتب ملاحظةً لا تزال صحيحة بعد ألفَي عام:
لا ينبغي أن ننظر إلى ضخامة العطايا، بل إلى الروح التي تُعطى بها.سينكا · «عن العطاء» (De Beneficiis)
فاليد الممتدة بقليلٍ صادق أكرم من يدٍ تمنح كثيرًا استعلاءً أو رياءً؛ والعطاء نفسه فرحٌ يفوت من لا يقدر عليه، لا لأنه أدنى قيمةً، بل لأن في العطاء لذّةً لا يعرفها إلا من جرّبها. ولهذا كان أكرم الناس أكثرهم امتدادًا نحو الآخرين، لا أكثرهم امتلاكًا للأشياء.
والصوفية، حين تحدّثوا عن الكرم، ربطوه بصفةٍ إلهية قبل أن يكون خُلقًا إنسانيًا: فالله عندهم هو «الكريم» الذي يعطي بلا حساب، والإنسان الكريم إنما يعكس شيئًا من هذا الاسم في تعامله مع خلق الله. وقد رأى الغزالي أن أعلى مراتب الكرم ليست أن تعطي مما تملك، بل أن تعطي من نفسك: وقتك، صبرك، انتباهك — وهذا أصعب من إعطاء المال، وأقرب إلى القلب من إعطاء اليد.
وفي لوحة مانيه هذه، لا قصور ولا خزائن: خبزٌ ساخن، وحفنةُ فواكه، وزهرةٌ واحدة على طاولةٍ بسيطة. ومع ذلك تشعر أمامها بوفرة، لا بشحّ. هذا بالضبط ما يفعله الكرم بالنظر: يجعلنا نرى القليل الذي بين أيدينا كافيًا للمشاركة، بدل أن نراه ناقصًا عن حاجتنا. الفارق بين الطمّاع والكريم ليس في حجم ما يملكان، بل في الطريقة التي ينظران بها إلى الطاولة نفسها.
ما يخسره الممسك، وما يكسبه المعطي
ومن أجمل ما لاحظه من اعتادوا العطاء أن الكرم، مع التكرار، يتحوّل من مجهودٍ واعٍ إلى طبع لا يحتاج تفكيرًا. في البداية قد تتردّد اليد قبل أن تمتدّ، وتحسب وتقارن؛ لكن مع كل مرّةٍ تُعطي فيها وتكتشف أن الأرض لم تنشقّ ولا الجيب قد أفلس، يخفّ التردّد، حتى يصير العطاء استجابةً تلقائية لا معركة داخلية في كل مرّة. وهذا هو الفرق بين من يتعلّم الكرم ومن يُولد به: كلاهما يصل إلى النتيجة نفسها، لكن الأول يعرف بالتجربة ثمن الطريق الذي سلكه، فيقدّر ما وصل إليه أكثر.
ولنعد إلى العقدة النفسية في أول الطريق: كثيرٌ من البخل ليس حبًّا في المال بقدر ما هو خوفٌ قديم — من الحرمان، من فقدان السيطرة، من أن يكتشف العالم أن في داخلنا نقصًا. فيصبح المال، أو أي شيءٍ نملكه، درعًا نحمي به هذا النقص المتخيَّل. والمشكلة أن الدرع يزداد ثقلًا كل عام، ولا يشفي الجرح الذي وُضع من أجله. أما الكريم فقد اكتشف، ربما بالتجربة أكثر من النظرية، أن كشف اليد لا يُظهر النقص، بل يُظهر أن النقص لم يكن كبيرًا كما بدا.
وأجمل ما في الكرم أنه لا يحتاج ثروةً لينطلق. يبدأ بكلمةٍ طيبة لمن يحتاجها، بوقتٍ نمنحه لمن يشعر بالوحدة، بابتسامةٍ لغريبٍ متعب. هذه كلها صدقاتٌ لا تُقاس بالميزان، ومع ذلك تملأ نفس مَن يبذلها بشيءٍ لا يملؤه جمعُ المال. وكل مرةٍ نعطي فيها من هذا النوع الصغير، نتدرّب على الثقة بأن العالم لا ينتقم من اليد المفتوحة، بل يعيد إليها بطريقةٍ لا تشبه دائمًا الطريقة التي أعطت بها.
وحين ننظر أخيرًا إلى نبع كوربيه المتفجّر من الصخرة السوداء، نفهم أن السؤال لم يكن يومًا: كم أملك؟ بل: هل أنا نبعٌ يجري، أم بئرٌ مقفل؟ والجميل أن الإجابة ليست قدَرًا نولد به، بل عادةً نبنيها بيدٍ واحدةٍ نمدّها اليوم، وأخرى نمدّها غدًا، حتى تصير الحياة نفسها جريانًا هادئًا لا يعرف الخوف من النقص — فرحًا يزداد كل مرةٍ يُشارَك، كالماء الذي لا يفقر لأنه يجري، ولا يفيض إلا لأنه لم يتوقف.
ولهذا الكرم صورةٌ معاصرة جميلة تستحق أن تُروى، في مقال قهوةٌ معلّقةٌ لغريب، عن تقليد «القهوة المعلّقة» النابوليتاني، حيث يمنح إنسانٌ إنسانًا آخر لا يعرفه ولن يراه أبدًا.
ولهذا العطاء جذرٌ فقهي عميق يستحق أن يُروى أيضًا: في مقال السلّم الذي يرتقيه العطاء، يرى ابن ميمون أن الكرم درجاتٌ نرتقيها واحدةً تلو الأخرى، حتى نبلغ أعلاها: أن نعين أخانا حتى لا يحتاج إلى يدنا بعد اليوم.
ولهذا الكرم صوتٌ أدبيٌّ خالد يستحق أن يُروى أيضًا، في مقال اليد التي تتّسع بالعطاء، حيث يرى جبران خليل جبران أننا لا نعطي حقًّا إلا حين نعطي من أنفسنا، وأن اليد التي تفتح أصابعها بدل أن تقبضها لا تفرغ، بل تتّسع.
