
في قصةٍ قصيرة كتبها ليف تولستوي سنة 1886، يستمع فلاحٌ اسمه باخوم إلى أخته الكبرى وهي تتفاخر بحياة المدينة، فيفكر في نفسه: «لو كان عندي ما يكفي من الأرض، ما خفتُ من الشيطان نفسه». يسمعه الشيطان، الجالس خلف الموقد، فيبتسم ويقرر: «حسنًا، سأمنحك أرضًا أكثر مما تتخيّل، ومن خلالها سأمسك بك».
لو كان عندي ما يكفي من الأرض، ما خفتُ من الشيطان نفسه.ليف تولستوي · «كم من الأرض يحتاج الإنسان؟»، 1886
وهكذا يبدأ باخوم رحلته: يشتري أرضًا فيضيق بها بعد عام، يبيعها ويهاجر إلى مكانٍ أوسع فيضيق به أيضًا، حتى يسمع عن قبيلة البشكير الذين يبيعون الأرض بطريقة غريبة: ألف روبل عن كل يوم يستطيع فيه المشتري أن يسير على قدميه ويعود إلى نقطة انطلاقه قبل غروب الشمس؛ وكل ما يطوف به في ذلك اليوم يصبح ملكه. يهرب قلب باخوم فرحًا: أرضٌ بلا حدود، مقابل مجهودٍ ليومٍ واحد فقط.
خطٌّ لا يعرف أين يتوقف

عند الفجر، يضع باخوم قبّعة الزعيم على الأرض علامةً لبداية الطواف ونهايته، ويأخذ مجرفته، وينطلق. في البداية يمشي بحكمة، يحفر حفرةً كل مسافة ليعلّم طريقه. لكن مع كل خطوة يرى أرضًا أجمل مما قبلها: «هذا الوادي يصلح للكتّان»، «هذه التلة خصبة أكثر»، فيمدّ الخط أبعد وأبعد، ناسيًا أن كل ذراعٍ يضيفها إلى دائرته، عليه أن يقطعها مرتين: مرة وهو يمضي إليها، ومرة وهو يعود منها. وهذا بالضبط ما رأيناه من زاويةٍ مختلفة في مقال الجوع الذي لا يشبع: أن الطمع لا يسألنا أبدًا «هل يكفيك هذا؟»؛ هو يسأل فقط «ألا تريد المزيد؟» ولا يملك إجابةً أخرى غير نعم.
وحين يلاحظ باخوم أن الشمس بدأت تميل نحو الأفق، يدرك أنه أبعد بكثير مما ينبغي. يبدأ الجري، يرمي معطفه وحذاءه وقربة مائه ليخفّ وزنه، وقلبه يدقّ كالمطرقة، ونَفَسه يصفر كمنفاخ حداد. يصل إلى القبّعة في آخر لحظة قبل أن تختفي الشمس تمامًا، ويلمس المال بيديه المرتجفتين — لكن الدم ينفجر من فمه، ويسقط ميتًا عند قدمي الزعيم.

وتنتهي القصة بجملةٍ باردة، تلخّص كل ما سبقها من ركضٍ وطمعٍ وحسابات: يحفر خادمه قبرًا لباخوم بطول جسده تمامًا، لا أكثر.
ستة أقدامٍ من رأسه إلى قدميه، هذا كل ما احتاجه.ليف تولستوي · «كم من الأرض يحتاج الإنسان؟»، السطر الختامي
الفرق بين أن نملك وأن نكتفي
لم يكن تولستوي غريبًا عن هذا الدرس؛ فقد كتب هذه الحكاية في السنوات نفسها التي مرّ فيها بأزمته الروحية الكبرى، حين اكتشف أن كل ما جمعه من أرضٍ وشهرةٍ ومجدٍ أدبي لم يمنحه طمأنينة، كما رأينا في مقال قطرةُ العسل التي لم تعد تكفي. الفرق الوحيد أن باخوم لم يُمهَل الوقت ليكتشف ذلك بنفسه؛ ركض حتى الموت خلف خطٍّ رسمه هو بيده ولم يكن مضطرًا أن يرسمه بهذا الاتساع. وهذا يشبه أيضًا ما رآه كارل يونغ: أن ما لا نواجهه من جوعٍ داخلي — خوفٌ، فراغ، شعورٌ بعدم الكفاية — يظل يقودنا من الخلف، تمامًا كما ظل الشيطان جالسًا خلف الموقد يستمع، بينما ظن باخوم أن القرار كله قراره.
والمفارقة الجميلة أن البشكير أنفسهم، الذين باعوا الأرض بتلك الطريقة الغريبة، لم يكونوا يطمعون في شيء؛ وصفهم تولستوي أناسًا بسطاء، سمانًا مرحين، يشربون الشاي ويعزفون على مزاميرهم طوال الصيف دون أن يفكروا في العمل أو التملّك. لم تكن الأرض تنقصهم، ولا الوقت، ولا حتى الرغبة في المزيد. كانوا، ببساطة، قد وجدوا نقطة الاكتفاء التي لم يجدها باخوم أبدًا، وعاشوا فيها بسلام بدل أن يركضوا للخروج منها.
وهذا بالذات ما تعلّمه لاوتزو، على الطرف الآخر من العالم وبلغةٍ مختلفة تمامًا، في مقال كأسٌ لا تعرف متى تتوقف: أن الكأس التي نتوقف عن ملئها في الوقت المناسب هي وحدها التي تبقى نافعة لنا. لم يطلب تولستوي منّا أن نكره الأرض أو نزهد فيها؛ باخوم نفسه لم يكن شريرًا، بل رجلًا عاديًا وقع في فخٍّ يقع فيه كثيرون: أن يظن أن الخط الفاصل بين «يكفي» و«المزيد» يبتعد كلما اقتربنا منه. والحقيقة أنه لا يبتعد؛ نحن من نمدّه بأيدينا، خطوةً بعد خطوة، حتى ننسى أين كان يجب أن نتوقف.
وربما كان أجمل ما في هذه الحكاية أنها لا تنتهي عند القبر، بل تتركنا أمام سؤالٍ يخصّنا نحن، لا باخوم: كم من الأرض — من المال، من الإنجاز، من الاعتراف — نحتاج فعلًا لنعيش حياةً هانئة؟ من وجد جوابه، ولو متأخرًا قليلًا عن باخوم، يكتشف أن العودة إلى نقطة البداية ليست خسارة، بل نجاةً؛ وأن أفضل ما يمكن أن يفعله المرء بيومٍ مشمس وأرضٍ واسعة، هو أن يمشي فيه بسلام، لا أن يركض حتى يسقط. ومن هذا الاكتفاء الهادئ، يبدأ طريقٌ آخر يكمله: أن نُشبع رغبتنا لا أن تُشبعنا هي، وهو ما ننتقل إليه في محطتنا التالية، مقال حصانٌ نمتطيه لا يمتطينا.

