قطعة ذهبية قديمة (ستاتر ليدي) منقوش عليها رأسا أسدٍ وثور متقابلين، من عهد الملك كريسوس
«ستاتر ذهبي»، ليديا، نحو 560–546 ق.م — من عهد الملك كريسوس نفسه، اكتُشف في عاصمته ساردس — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في القرن السادس قبل الميلاد، كان كريسوس ملك ليديا الأغنى بين ملوك زمانه؛ خزائنه تفيض بالذهب، وسُمعته تفيض معها. وحين زاره الحكيم الأثيني سولون، أمر خدمه أن يُطلعوه على كل ما يملك: قاعةً بعد قاعة من الذهب والحجارة الكريمة. وحين ظنّ أن ضيفه قد انبهر بما يكفي، سأله السؤال الذي كان ينتظر إجابته منذ البداية: من أسعد رجلٍ رأيته في حياتك؟

كان كريسوس يتوقّع أن يسمع اسمه. لكنّ سولون أجاب دون تردّد: «تيلوس الأثيني». رجلٌ عاديّ، عاش في مدينةٍ مزدهرة، وربّى أبناءً صالحين رأى لهم أبناءً بدورهم، ثم مات مدافعًا عن مدينته في المعركة، فأقام له أهل أثينا جنازةً عامة تكريمًا له. لم يكن غنيًّا ولا ملكًا، لكنه عاش حياةً كاملة، ومات ميتةً يفخر بها.

غضب كريسوس، لكنه سأل مرّةً أخرى: ومن ثاني أسعد رجل؟ فروى له سولون قصة الأخوين كليوبيس وبيتون: حين لم تجد أمّهما ثورًا يجرّ عربتها إلى معبد الإلهة هيرا، شدّا العربة بأنفسهما وسحباها أميالًا طويلة، فباركهما كل من رآهما، ودعت أمّهما فخورةً أن تمنحهما الآلهة أعظم ما يُمنح لبشر. فناما تلك الليلة في المعبد، ولم يستيقظا؛ ماتا في سلام، في أوج فخرٍ لم يعرفا بعده انكسارًا. عندها فقط شرح سولون لكريسوس ما كان يقصده:

الغنيّ لا يملك على الفقير سوى ميزتين: أن يُشبع شهوته، وأن يحتمل نازلةً إن نزلت. أما الفقير، إن حالفه الحظ، فله من العافية والأبناء الصالحين وسلامة الجسد ما لا يُحصى.سولون · نقلًا عن هيرودوت، «تاريخ»، الكتاب الأول

وهنا يكمن جوهر ما نسمّيه الطمع، وهو الجوع نفسه الذي وصفناه في مقال الجوع الذي لا يشبع: أننا نحسب أن الأمان يُشترى، وأن الفراغ الداخليّ يُملأ بما هو خارجنا. وهذا قريبٌ جدًّا مما تحدّثنا عنه في مقال الظلّ الذي ننكره: فحين لا نجرؤ على مواجهة سؤالٍ يخصّ أنفسنا — هل أنا كافٍ؟ هل ما أنا عليه يكفي؟ — نبحث عن جوابٍ نلمسه بأيدينا، ذهبًا أو ملكًا أو مديحًا. وقد رأى كارل يونغ أن الذهب، عبر تاريخ الرموز الإنسانية كله، لم يكن يومًا مجرّد معدن؛ كان صورةً لما يسمّيه «الذات» — ذلك الكمال الداخليّ الذي يبحث عنه كل إنسان دون أن يسمّيه. والمفارقة أن كريسوس أمسك الذهب الحقيقي بيديه، وفاته الذهب الذي كان يبحث عنه فعلًا.

طقم مجوهرات ذهبية إتروسكانية قديمة، أساور وحليّ مزخرفة بالذهب والعقيق وبلّور الصخر
«طقم مجوهرات»، إتروسكانية، أوائل القرن الخامس ق.م — الزينة نفسها التي كان كريسوس يُطلع بها ضيوفه — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

السؤال الذي لم يعجب الملك

لم يقتنع كريسوس. فسأل سولون بامتعاض: أفلا تُحصي سعادتي أنا؟ ألا أستحق أن أُقارَن بهؤلاء العامّة؟ فأجابه سولون بما صار أشهر ما قيل في هذا الباب:

لا يمكنني أن أجيبك عمّا سألتني عنه، حتى أسمع أنك أنهيت حياتك بسعادة؛ فلنُراقب دومًا نهاية كل أمر أيًّا كان، إذ كثيرًا ما يُري القدر الناسَ لمحةً من السعادة، ثم يقلبهم رأسًا على عقب.سولون · نقلًا عن هيرودوت، «تاريخ»، الكتاب الأول

لم يفهم كريسوس القصد، وطرد سولون من قصره ظانًّا أنه سمع كلام رجلٍ لا يقدّر النعمة حين يراها. لكنّ حياته انقلبت بعد ذلك بسنوات قليلة: خسر ابنه، ثم خسر عرشه، وأدرك متأخرًا أن سولون لم يكن يقلّل من ثروته، بل كان يحذّره من أن يقيس قيمته بها. والحكاية التي رواها هيرودوت لا تُروى لتخويفنا من الغد، بل لتذكيرنا بسؤالٍ أبسط: ما الذي نملكه فعلًا، وما الذي نظنّ أننا نملكه بينما هو عاريةٌ عند الزمن؟

جزء من شاهدة قبرٍ رخامية يونانية لجنديّ مشاة، نُحتت بخطوطٍ هادئة
جزء من شاهدة قبر جنديّ مشاة، يونانية، نحو 525–515 ق.م — من الجيل نفسه الذي عاش فيه تيلوس الأثيني — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

غنى لا يُحصى بالميزان

واللافت أن الرجلين اللذين اختارهما سولون — تيلوس والأخوين — لم يكن أيٌّ منهما غنيًّا بالمعنى الذي يفهمه كريسوس. ما امتلكوه كان أبسط بكثير: مدينةً أحبّوها، وأهلًا أحبّوهم، ولحظةً واحدةً صافية اختاروا أن يعيشوها كاملةً بلا حساب. ولعلّ هذا ما يجعل قصة سولون تلتقي بما وصلنا إليه في مقال النبع لا يفتقر لأنه يجري: أن العطاء والحبّ والانتماء لا تُقاس بميزان الذهب، لأنها أصلًا ليست من جنسه.

وقد وصل الحكيم الصيني لاوتزو إلى فكرةٍ قريبة من طريقٍ مختلف تمامًا، حين شبّه القناعة بكأسٍ نعرف متى نتوقّف عن ملئها؛ يمكن أن تقرأ ذلك في مقال كأسٌ لا تعرف متى تتوقف. وقريبًا منه أيضًا وقف الكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو، حين اكتشف أن أعظم ما يملكه المرء أحيانًا هو ما يختار ألّا يمتلكه؛ تجد تلك القصة في مقال البستان الذي لم يُزرع.

واليوم، حين نجمع ونقيس أنفسنا بما تراكم لدينا، يستحق سؤال سولون أن يعود إلينا كما هو، لا ليخيفنا من الغد، بل ليُنزل الذهب عن عرشٍ لا يستحقه. فالحياة التي تستحق أن توصف بالسعادة ليست تلك التي امتلأت خزائنها، بل التي حين تُقاس في نهايتها، توزن بمحبّةٍ صادقة وأثرٍ حقيقي — وهذا وحده ميزانٌ لا يخطئ. وما يصحّ في علاقتنا بالمال يصحّ أيضًا في علاقتنا برغباتنا كلّها؛ فالمحطة القادمة من هذه الرحلة تنتظرنا في مقال النار التي تدفئ وتحرق، حين نتعلّم أن نملك أشواقنا لا أن تملكنا.