لوحة لوليام بوغيرو تصوّر أمًّا شابة تنظر بحنان إلى طفلها النائم بين ذراعيها
وليام بوغيرو، «أمٌّ شابة تتأمّل طفلها»، 1871 — الحنان الذي يجعل من رغيفٍ ناقص عطاءً كاملًا — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في حيٍّ فقير من كلكتا، طرق رجلٌ باب الأمّ تريزا يخبرها أن أسرةً من ثمانية أطفال لم تذق طعامًا منذ أيام. حملت الراهبة كيسًا من الأرزّ وذهبت إليهم على الفور. تقول إنها رأت في عيون الأطفال بريق جوعٍ لا يُنسى. سلّمت الأمَّ الكيس، فغابت الأمّ عن البيت لحظات قبل أن تعود. سألتها الأمّ تريزا: إلى أين ذهبتِ؟ ماذا فعلتِ؟ فأجابتها الأمّ بكل بساطة: «إنهم جياعٌ أيضًا».

ما أدهش الأمّ تريزا لم يكن الكرم نفسه بقدر ما أدهشها أن تلك الأمّ الفقيرة كانت تعرف بالضبط من حولها يشاركها الجوع: أسرةٌ مسلمة تسكن الجوار، لم يكن الرابط بينهما دِينًا ولا قرابة، بل جوعًا مشتركًا رأته عينٌ واحدة ولم تتغافل عنه. ولم تُرسل الأمّ تريزا مزيدًا من الأرزّ ذلك المساء، على حدّ قولها، «لأنني أردتُ أن يستمتعوا بفرحة المشاركة» — فالعطاء، حين يُصادَر منّا قرار توزيعه، يفقد نصف معناه.

لا كم نُعطي، بل كم نضع من حبٍّ فيما نُعطى

سلّة تخزين مصرية قديمة منسوجة من عيدان الحلفا وسعف النخيل
سلّة تخزين بيضاوية، مصر القديمة، نحو 1491–1473 ق.م، منسوجة من الحلفا وسعف النخيل — وعاءٌ متواضع صُنع ليُقسَم ما بداخله لا ليُخزَّن وحده — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وهذا بالضبط ما كرّرته الأمّ تريزا في خطابها ذاك أمام لجنة نوبل، حين قالت بلا مواربة إن مقياس العطاء ليس في حجمه:

ليس المهمّ كم نفعل، بل كم من الحبّ نضعه فيما نفعله.الأمّ تريزا · خطاب قبول جائزة نوبل للسلام، أوسلو، 11 ديسمبر 1979

وهي الفكرة نفسها التي تلتقي، من بابٍ آخر، بما رآه ابن ميمون حين رتّب درجات الصدقة الثماني في مقال السلّم الذي يرتقيه العطاء: فالدرجة العليا عنده ليست الأكبر مالًا، بل تلك التي تحفظ كرامة الآخذ وتجعله شريكًا لا متسوّلًا. وكما رأى جبران أن اليد التي تُعطي من ذاتها لا من فائضها هي وحدها التي تتّسع، كما جاء في مقال اليد التي تتّسع بالعطاء، كانت تلك الأمّ الهندوسية تُعطي من نصف ما تملك، لا من فائضٍ لم تكن تملكه أصلًا.

ولعلّ هذا ما يكشف الوجه الآخر للكرم، ذلك الذي تحدّثنا عنه في مقال الظلّ الذي ننكره: أن أصدق أشكال العطاء لا تُحسَب بعقل الحساب، بل تصدر عن مكانٍ في النفس أعمق من الخوف على الذات — ذلك الذهب الداخلي الذي يزداد بريقًا كلما أُخرِج إلى الضوء بدل أن يُخبَّأ. فالأمّ التي قسمت أرزّها لم تُفقر نفسها، بل أظهرت غنًى لم يكن أحدٌ يظنّه فيها.

وعاء خزفي إسلامي قديم مثقوب بزخارف دقيقة يسمح للضوء بالنفاذ من خلاله
«وعاءٌ مثقوب»، بتوقيع حسن القاشاني، نحو أواخر القرن الحادي عشر–أوائل الثاني عشر — إناءٌ لا يزيده الثقب ضعفًا بل جمالًا وضوءًا — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي الخطاب نفسه، لم تكتفِ الأمّ تريزا بوصف عطاء الفقراء، بل طلبت من الحاضرين — رجال المال والسياسة والصحافة — الأمر ذاته الذي رأته في تلك الأمّ:

لا أريد أن تعطوني من فائض ما عندكم، بل أن تعطوا حتى يؤلمكم العطاء.الأمّ تريزا · خطاب قبول جائزة نوبل للسلام، أوسلو، 11 ديسمبر 1979

وقد تبدو هذه الكلمة قاسية للوهلة الأولى، وكأنها تدعو إلى حرمان النفس. لكنّ المعنى أدقّ من ذلك: العطاء الذي لا يُكلّفنا شيئًا لا يُغيّر فينا شيئًا أيضًا؛ يبقى فعلًا هامشيًّا لا يمسّ جوهرنا. أما حين يُكلّفنا العطاء بعض راحتنا أو وقتنا أو فائضنا الذي نحبّه، عندها فقط يصبح دليلًا حقيقيًّا على مكانة الآخر في قلبنا — تمامًا كما وجد أندرو كارنيجي، رغم ثروته الهائلة، أن المال الذي يُمنَح بلا معنى لا يترك أثرًا يُذكر، كما جاء في مقال الغنيّ الذي ماتَ مذمومًا.

ما تعلّمناه من تلك الأمّ التي قسمت أرزّها، ومن الراهبة التي حملته إليها، ليس أن نعطي كل ما نملك دفعة واحدة، بل أن ننظر حولنا كما نظرت هي: بعينٍ تعرف من يجاورها في الجوع، لا بعينٍ تحسب فقط ما تبقّى في كيسها. وحين نتعلّم أن نعطي بهذا القدر من الانتباه، نكون قد بدأنا فعلًا الخطوة التالية في هذه الرحلة، حيث يصير الانتباه نفسه، كما سنرى في مقال الانتباه أندرُ أشكال الكرم، أرقى ما يمكن أن نُهديه لغيرنا.