نافذة زجاجية ملوّنة من القرن الخامس عشر تصوّر القديس مارتن على حصانه وهو يقسم عباءته بسيفه ليعطي نصفها لرجلٍ فقير
«القديس مارتن يقسم عباءته»، النمسا، نحو 1410 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

يُروى عن القديس مارتن أنه كان جنديًّا رومانيًّا شابًّا، حين صادف عند أبواب مدينة أميان في ليلةٍ باردة شحّاذًا شبه عارٍ يرتجف من البرد. لم يكن مارتن يملك مالًا يعطيه، فاستلّ سيفه وقسم عباءته العسكرية الثقيلة إلى نصفين، أعطى الشحاذ نصفها ولفّ نصفها الآخر حول كتفيه. لم يعطِ مارتن مما يملك، فهو لم يكن يملك شيئًا يومها سوى تلك العباءة الواحدة؛ لقد أعطى من نفسه، من دفئه هو، وهذا بالضبط ما رآه جبران خليل جبران بعد قرون حين تأمل معنى العطاء الحقيقي.

أنت لا تعطي إلا القليل حين تعطي من ممتلكاتك. أما حين تعطي من نفسك، فذلك هو العطاء الحقيقي.جبران خليل جبران، «النبي»، فصل «عن العطاء»، 1923

الخوف الذي نُسمّيه حكمة

وفي الفصل نفسه، لا يكتفي جبران بهذا التمييز؛ بل يذهب إلى جذر ما يمنعنا من العطاء أصلًا: أنه ليس في الغالب حسابًا عقلانيًّا لما نحتاجه لاحقًا، بل خوفٌ متنكّر في زي الحكمة. يسأل جبران: أليس الخوف من الحاجة، حين تكون بئرك ممتلئة، هو نفسه ذلك العطش الذي لا يُروى؟ فكثيرٌ ممن يُمسكون أيديهم عن العطاء لا يفعلون ذلك لأنهم يحسبون حسابًا دقيقًا لغدٍ مجهول، بل لأن شيئًا في داخلهم يخشى أن يكتشف أن ما يملكونه، إن أعطوا منه، سيتكشّف أنه لم يكن كافيًا من الأصل. وهذا صدى لما تأمّلناه في مقال الجوع الذي لا يشبع: أن الطمع ليس فيضًا من القوة، بل نقصًا من الطمأنينة، خوفًا يتنكّر في هيئة حرص.

لوحة حفر بالإكوافورت تصوّر المسيح محاطًا بالمرضى والفقراء والأطفال الذين يقتربون منه، للفنان رمبرانت
رمبرانت فان راين، «لوحة المئة غيلدر» (المسيح يشفي المرضى)، 1648 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ولا يفوت جبران أن يميّز أيضًا بين أنواع العطاء نفسها: فهناك من يعطي القليل مما لديه الكثير، وينتظر مقابل ذلك عرفانًا أو ثناءً، فتُفسد هذه الرغبة الخفية هديته؛ وهناك من يملك القليل فيعطيه كله دون حساب، وهؤلاء، كما يصفهم جبران، مؤمنون بالحياة وبكرمها، وصندوقهم لا يفرغ أبدًا. والفارق ليس في حجم العطية، بل في الروح التي تصاحبها:

حسنٌ أن نعطي حين يُطلب منّا، لكن الأفضل أن نعطي دون أن يُطلب، عن فهمٍ وإدراك؛ وللكريم الذي تمتدّ يده دائمًا، البحث عمّن يستحق العطاء فرحٌ أعظم من العطاء نفسه.جبران خليل جبران، «النبي»، فصل «عن العطاء»

وهذا يذكّرنا بما رأيناه مع ابن ميمون في مقال السلّم الذي يرتقيه العطاء، حين وضع أعلى درجات الصدقة في أن نُعين شخصًا ليستغني عن الحاجة إلى العطاء أصلًا؛ فكلا الحكيمين، رغم بعد الزمان والمكان بينهما، رأيا أن العطاء الحقيقي فعلٌ ينظر إلى كرامة من يستقبله، لا إلى صورة من يمنحه.

اليد التي تتّسع لا تفرغ

لوحة زيتية لامرأة شابة تقف عند نافذة وتصبّ الماء من إبريق فضي مذهّب في وعاء، للفنان يوهانس فيرمير
يوهانس فيرمير، «شابةٌ مع إبريق ماء»، نحو 1662 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذا المشهد الهادئ، إبريقٌ يُصَبّ ماؤه بلا تردد، ومع ذلك لا يفرغ من قيمته: فالماء الذي يُسكب يغسل، يروي، يمنح الحياة لمن يلمسه، وهذا بالضبط ما يعد به الكرم الحقيقي كما فهمه جبران: أن اليد التي تعطي من نفسها، لا من فائضها فقط، لا تُفقر صاحبها، بل تتّسع. فكل مرة نعطي فيها من انتباهنا، من وقتنا، من صدقنا مع من نحبّ، لا ننقص من أنفسنا شيئًا؛ بل نكتشف أن ما فينا من قدرةٍ على العطاء أكبر مما كنا نظن. وهذا صدى مباشر لما قاله كارل يونغ عن الظل الذي نخفيه، كما رأينا في مقال الظلّ الذي ننكره: فكثيرٌ من بخلنا لا يخصّ المال وحده، بل يخصّ تلك الأجزاء منّا التي نخاف أن نُظهرها للآخرين ظنًّا أننا سنخسرها إن كشفناها؛ والحقيقة، كما يعلّمنا جبران والقديس مارتن معًا، أن ما نُخرجه من الظل إلى الضوء، حين نشاركه بصدق، هو ما يجعلنا أخيرًا أكثر اتساعًا لا أقل.

وهذه هي الهدية التي يتركها لنا جبران في ختام حديثه عن العطاء: أننا لسنا مطالَبين بأن نُفرغ أنفسنا لنكون كرماء، بل أن نتذكّر أن ما فينا من خيرٍ يزداد كلما شاركناه، تمامًا كما لا تفرغ اليد التي اعتادت أن تفتح أصابعها بدل أن تقبضها. ومن يتعلّم هذا الدرس، يكتشف أن أصغر عطية، حين تصدر عن صدق، تكفي لتصنع فرقًا لا يقاس؛ وهذا بالضبط ما ننتقل إليه في المحطة التالية من هذه الرحلة: الانتباه أندرُ أشكال الكرم.