لوحة الإحسان لغيدو ريني، امرأة تحيط بأطفالها في مشهد دافئ يرمز للعطاء
غيدو ريني، «الإحسان»، نحو 1630 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في القاهرة، في القرن الثاني عشر، كان هناك طبيبٌ يهودي أندلسي الأصل يخدم في بلاط صلاح الدين، ويُعرف بين قومه باسم موسى بن ميمون، وبين الفلاسفة العرب باسم «ابن ميمون». كان الرجل قد وُلد في قرطبة، وهاجر مع أسرته هربًا من الاضطهاد حتى استقرّ في مصر، فعرف الفقر والغربة عن قرب قبل أن يكتب عن العطاء عن بُعد. ولمّا جلس ليدوّن شرائع الصدقة في كتابه الكبير «مشناه توراه»، لم يكتفِ بالقول إن العطاء واجب، بل صنع منه سلّمًا من ثماني درجات، كل درجةٍ فيه أرقى من التي تسبقها، ليس بحجم العطية، بل بما تحفظه من كرامة مَن يتلقّاها.

وفي أسفل هذا السلّم، وضع ابن ميمون صورةً لا تجميل فيها: مَن يُعطي بقلبٍ منقبض ووجهٍ عابس، كأن يده تُنتزع منه انتزاعًا:

وأدنى الدرجات أن يُعطي وهو كاره.ابن ميمون، «مشناه توراه»، شرائع عطايا الفقراء 10:14

وهذه، برأيه، أدنى درجات العطاء، لأن العطية فيها تصل إلى يد الفقير، لكن كرامته لا تصل معها. أما في الدرجة التي تليها، فمن يُعطي بابتسامة، ولو كان ما يعطيه قليلًا، لأن الروح التي يُعطى بها لا تقلّ أهمية عمّا يُعطى.

يدٌ لا تعرف مَن تصافح

ثم يرتقي السلّم درجةً بعد درجة: أن تُعطي قبل أن يُطلب منك، فتوفّر على الفقير مذلّة السؤال. ثم أن تُعطي ولا تعرف من يأخذ، أو يُعطى ولا يعرف الآخذ يد مَن أعطته، فتُصان كرامة الطرفين معًا. وقد وصف ابن ميمون صورةً لطيفة لهذه الدرجة: حكماء كانوا يمشون في الأزقة ليلًا، يُسقطون قطعًا من المال أمام أبواب الفقراء دون أن يُريهم أحد، ويُتابعون طريقهم كأن شيئًا لم يكن.

غرفة دمشقية عثمانية بزخارف ذهبية ونباتية، القرن الثامن عشر
«الغرفة الدمشقية»، دمشق، مؤرَّخة 1119هـ/1707م — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وهذه الغرفة الدمشقية، بزخارفها الذهبية وآياتها المنقوشة على الجدران، تعيد إلى الذهن عالمًا عاش فيه ابن ميمون سنواته الأخيرة: عالمًا عربيًا إسلاميًا احتضن الغريب واليتيم في بيوتٍ مفتوحة الأبواب على الضيف، حيث كانت الضيافة والصدقة نسيجًا واحدًا لا يُفرَّق بينهما. فالكرم، في تلك الحضارة كما في شريعة ابن ميمون، لم يكن استثناءً أخلاقيًا، بل هواءً يتنفّسه البيت كله.

وكما رأينا في مقال النبع لا يفتقر لأنه يجري، فإن مَن يخاف النقص يقبض يده، ومَن يثق بالكفاية يمدّها. وابن ميمون يضيف إلى هذه الفكرة بُعدًا عمليًا: الثقة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى تدريبٍ متدرّج، درجةً فدرجة، حتى تصير عادةً لا معركة. فمن اعتاد أن يُعطي وهو عابس، يمكنه أن يتعلّم أن يُعطي بابتسامة؛ ومن اعتاد أن يُعطي بعد أن يُسأل، يمكنه أن يتدرّب على المبادرة. السلّم لا يُقفَز دفعةً واحدة، بل يُصعَد خطوة إثر خطوة، كما تتعلّم اليد نفسها الكرم.

الدرجة التي لا أعلى منها

أعظم الدرجات، وليس فوقها درجة، أن تُعين معدَمًا بهبةٍ أو قرضٍ أو شراكةٍ أو عملٍ تجد له، حتى تُقوّي يده فلا يحتاج أن يمدّها إلى أحد.ابن ميمون، «مشناه توراه»، شرائع عطايا الفقراء 10:7

وهذه هي الدرجة التي قلبت فهمنا للكرم رأسًا على عقب: أعلى العطاء ليس أكبره، بل ذاك الذي ينهي الحاجة إلى العطاء من الأساس. فمن يجد لأخيه عملًا، أو يدخله شريكًا في تجارته، أو يُقرضه ليقيم مشروعه، إنما يمنحه أعزّ ما يملك الإنسان: أن يقف على قدميه بلا خجلٍ ولا امتنان معلَّق. وهذا صدىً لِما رأيناه في مقال الجوع الذي لا يشبع: أن الغنى الحقيقي ليس في الجمع، بل في الكفاية؛ وأعظم هدية نمنحها لإنسانٍ هي أن نساعده على بلوغ كفايته بيده هو، لا أن نُبقيه محتاجًا إلى يدنا إلى الأبد.

صفحة من مخطوطة كتاب مقدس عبري إسباني مزخرف بالذهب، القرن الرابع عشر
«كتاب مقدس عبري»، إسبانيا، 1300–1350 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وربما لهذا كتب ابن ميمون هذا السلّم بلغة الفقه لا بلغة الوعظ: لأنه أراده دليلًا عمليًا يهتدي به كل إنسان، لا مجرد مثالٍ يُعجَب به من بعيد. فكل درجةٍ في السلّم متاحةٌ للجميع، غنيًّا كان أم متوسط الحال، لأن ما يُقاس ليس المبلغ، بل النيّة والطريقة. ومَن ينظر إلى هذا السلّم اليوم يجد فيه مرآةً صادقة لسؤالٍ بسيط: حين أُعطي، أين أقف من هذا السلّم؟ وهل يمكنني أن أرتقي درجةً واحدة فقط هذا الأسبوع؟

وكما رأينا في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن كثيرًا ممّا نخفيه عن أنفسنا ليس شرًّا كامنًا فحسب، بل خيرًا لم نجرؤ بعد على إخراجه إلى النور: كرمٌ نؤجّله بحجّة أننا لا نملك ما يكفي، بينما الحقيقة أننا لم نمنح أنفسنا الإذن لنبدأ من الدرجة الأولى المتاحة لنا الآن. وهذا بالضبط ما يجعل سلّم ابن ميمون هديةً لا تنتهي صلاحيتها: فهو لا يطلب الكمال دفعة واحدة، بل خطوة صادقة اليوم، مهما بدت صغيرة أو متعثرة.

وللكرم، بعد هذا السلّم القديم، صورةٌ معاصرة رقيقة تستحق أن تُروى في مقال قهوةٌ معلّقةٌ لغريب، حيث يمنح إنسانٌ إنسانًا آخر لا يعرفه ولن يراه أبدًا — وكأن روح هذا السلّم القديم لا تزال تنزل درجةً درجة حتى تبلغ طاولة مقهى في زماننا. فإذا اتّسعت اليد بالعطاء، اتّسع القلب معها، واستعدّ لدرسٍ آخر في هذه الرحلة: كيف نلطف بالتفاصيل الصغيرة، في مقال أصغر العملات وأغلاها.