لوحة شاب وفتاة في نُزُل، فرانس هالس، 1623
فرانس هالس، «شابٌّ وفتاة في نُزُل»، 1623 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

تخيّل مقهىً صغيرًا في حيٍّ شعبيٍّ من نابولي، قبل عقود طويلة. يدخل رجلٌ عاد لتوّه من صفقةٍ ناجحة أو خبرٍ سعيد، فيطلب قهوته، ثم يطلب قهوةً أخرى «معلّقة» — caffè sospeso — يدفع ثمنها كاملًا لكنه لا يشربها. تبقى تلك القهوة مُعلَّقةً، اسمًا في دفترٍ صغير خلف الطاولة، إلى أن يدخل شخصٌ آخر، ربما لا يملك ثمن فنجانه، فيسأل بهدوء: «هل هناك قهوة معلّقة؟» فتُقدَّم له، دافئةً، دون أن يعرف من دفع ثمنها، ودون أن يعرف الدافع من شربها.

لا أحد يعرف بالضبط متى بدأت هذه العادة في نابولي، فهي، كما يقول أهلها، أقدم من أن تُؤرَّخ؛ توارثتها الأجيال حكايةً شفهية أكثر منها قانونًا مكتوبًا. لكنها ازدهرت في أوقات الشدّة بالذات: في سنوات الحرب العالمية الثانية، حين لم يكن الجميع قادرين على دفء فنجان، وعادت لتزدهر من جديد في أزمة 2008 الاقتصادية، ثم في جائحة كورونا، كأن الكرم الصامت يستيقظ كلما اشتدّت الحاجة إليه. وقد وصف الكاتب النابوليتاني لوتشيانو دي كريشنسو هذا المشهد بجملةٍ لا تُنسى:

حين يشعر أحد أهل نابولي بالسعادة، فإنه بدل أن يدفع ثمن قهوته وحده، يدفع ثمن قهوتين: واحدة له، وأخرى للزبون القادم بعده. الأمر أشبه بأن تُقدّم قهوةً لبقية العالم.لوتشيانو دي كريشنسو، «القهوة المعلّقة»

كرمٌ لا يريد أن يُرى

وأجمل ما في «القهوة المعلّقة» أنها لا تشبه كثيرًا من صور الكرم التي اعتدنا عليها. فهي ليست صدقةً تُمنح لمحتاجٍ معروف، ولا هبةً تُعلَن على الملأ؛ إنها فعلٌ يكتمل في غياب صاحبه تمامًا. الذي يدفع لا يرى من يشرب، والذي يشرب لا يعرف من دفع. لا شكر يُقال، ولا يدٌ تُصافَح، ولا اسمٌ يُذكر. وهذا بالضبط ما يجعلها كرمًا نقيًّا بمعنى ما: كرمًا لا يطلب حتى الشعور الجميل الذي يمنحنا إياه أن نُرى كرماء.

وهنا يلتقي هذا التقليد الصغير بما كتبه المفكر إريك فروم حين قارن بين إنسانٍ يعيش «ليمتلك» وإنسانٍ يعيش «ليكون»، كما تحدّثنا في مقال أن تكون لا أن تملك. فالكرم الذي ينتظر شهادةً أو شكرًا هو كرمٌ لم يتحرّر بعد من منطق التملّك؛ إنه يستبدل مالًا بامتنانٍ، وهذا تبادلٌ أيضًا، وإن بدا نبيلًا. أما القهوة المعلّقة، حين تُمنح دون أن يعرف أحد، فهي أقرب لما وصفه فروم بـ«الكينونة»: عطاءٌ لا يُثقل صاحبَه بانتظار مقابل، لأنه لا يعرف حتى من سيرد عليه المقابل لو أراد.

إبريق قهوة فضي، سيباستيان إيغونيه، القرن الثامن عشر
سيباستيان إيغونيه، «إبريق قهوة»، 1738-39 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

قهوتنا نحن أيضًا

لوحة عرس قانا الجليل لخوان دي فلاندس، نحو 1497
خوان دي فلاندس، «عرس قانا الجليل»، نحو 1497 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

والحقيقة أن هذا التقليد، حين ننظر إليه من هنا، لا يبدو غريبًا عنّا تمامًا. فكثيرٌ من مقاهي العالم العربي تبنّت اليوم فكرة «القهوة المعلّقة» على طريقتها، وهي في جوهرها لا تبعد كثيرًا عمّا عرفته موائدنا منذ زمن: طعامٌ يُترك زائدًا عمدًا «تحسّبًا لضيف»، وباب بيتٍ يُفتح لعابر سبيل دون أن يُسأل من أين أتى. الكرم الذي لا يعرف اسم صاحبه ليس اختراعًا نابوليتانيًّا، بل لغةٌ إنسانية قديمة، لكل ثقافةٍ لهجتها الخاصة فيها. وكأن مائدة العرس في اللوحة أعلاه، بما تفيض به من كؤوسٍ وأرغفة، تقول الشيء نفسه: أن أجمل الولائم ليست التي نحسب فيها الحصص، بل التي ننسى فيها أن نعدّ.

العطاء أكثر بهجةً من الأخذ، لا لأنه حرمان، بل لأن في فعل العطاء ذاته تعبيرًا عن حيويتي.إريك فروم، «فنّ الحب»، 1956

وربما هذا ما يجعل الفكرة تستحقّ أن تُروى من جديد كل حين: أنها تذكّرنا بأن أصدق العطاء هو ما لا نحتاج أن نُذكَر باسمنا فيه. حين نُعطي ونحن نعرف أن أحدًا لن يرانا، نلمس جزءًا من أنفسنا أهدأ من تلك الأنا التي تحتاج دائمًا إلى شاهدٍ على خيرها؛ نلمس، ولو للحظة، ذلك الجزء الذي لا يحتاج إثباتًا ليكون كريمًا، لأنه ببساطة كذلك.

فحين تدخل مقهًى في يومٍ عادي، وتطلب فنجانك، لا خسارة في أن تطلب فنجانًا آخر يبقى معلّقًا هناك لغريبٍ لن تلقاه. فربما هذا كل ما تحتاجه الجوع الذي لا يشبع ليهدأ قليلًا: أن نكتشف أن أيدينا، حين تُعطي دون مقابل، تشعر بامتلاءٍ لا يمنحه أي شيءٍ نحتفظ به لأنفسنا. وهذا، في النهاية، لطفٌ صغير يشبه كل الألطاف الصغيرة التي لا نلاحظ قيمتها إلا حين نمارسها.