مصباح مسجد نحاسي من القرن الرابع عشر، منقوش بزخارف نباتية
«مصباح مسجد»، القرن الرابع عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وُلدت في البصرة لأسرةٍ فقيرة، فبِيعت جاريةً بعد وفاة والديها، ثم أُعتقت حين رأى سيّدها — كما تروي الحكايات — نورًا يحيط بها وهي نائمة. عاشت رابعة العدوية بقية عمرها زاهدةً، ترفض الزواج وترفض حتى وصف نفسها بالعابدة الخائفة أو الراجية. فحين سُئلت مرّةً عن سبب زهدها، أجابت بدعاءٍ صغيرٍ صار من أشهر ما قيل في تاريخ التصوف كلّه، دعاءٍ يهدم فكرةً ظنّ الناس قرونًا أنها أساس العبادة: أن نعبد خوفًا من عقاب أو طمعًا في مكافأة.

اللهمّ إن كنت أعبدك خوفًا من النار فأحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعًا في الجنة فاحرمنيها، وإن كنت أعبدك لذاتك فلا تحرمني جمالك الأبدي.رابعة العدوية

وهذا الدعاء، إذا تأمّلناه بعيدًا عن سياقه الديني وحده، يحمل درسًا يتجاوز العبادة إلى كل علاقة نبنيها: هل نحبّ الآخر لأنه يمنحنا شيئًا، أم نحبّه لذاته؟ فكثيرٌ من عطائنا، إن صدقنا مع أنفسنا، مشروطٌ بمقابل: نُعطي كي يُذكَر لنا، أو نساعد كي نُشكَر، أو نحبّ كي نُحَبّ بالمقدار نفسه. وهذا ليس عيبًا بشريًّا فادحًا، لكنه يجعل عطاءنا هشًّا؛ فما إن يتأخر المقابل حتى يبرد القلب ويبدأ يحسب.

حين يصير العطاء حسابًا خفيًّا

وهنا يفيدنا أن نستعير عدسة كارل يونغ: فكثيرًا ما يكون كرمنا المشروط قناعًا لخوفٍ من الفراغ — نُعطي لنملأ مكانًا في داخلنا يخشى ألّا يكون محبوبًا لذاته. فنشتري المحبة بالهدايا، أو الاحترام بالخدمات، ونظنّ أننا كرماء بينما نحن، في العمق، نتاجر بخوفنا. أما الكرم الذي وصفته رابعة، فهو عكس ذلك تمامًا: عطاءٌ لا ينتظر عودة، لأنه لا يخرج من فراغٍ يريد أن يُملأ، بل من امتلاءٍ يفيض من تلقاء نفسه.

ويُروى عنها أنها كانت تسير يومًا ومعها مشعلٌ من نار في يد، وإناءٌ من ماء في اليد الأخرى، فسُئلت عن سرّهما، فقالت إنها تريد أن تُشعل الجنة بالنار وتُطفئ النار بالماء، كي يعبد الناس ربّهم لا خوفًا من هذه ولا طمعًا في تلك، بل حبًّا خالصًا. وهذه الصورة — النار في يد، والماء في الأخرى — أجمل تجسيدٍ لفكرة أن الحب الحقيقي يتجرّد من كل ما يُغري وكل ما يُخيف، ليبقى وحده، عاريًا، بلا ثمن.

حاملة شمعة فضية أمريكية من أواخر القرن الثامن عشر
جوزيف لاونز، «حاملة شمعة»، 1790–1810 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

والشمعة لا تحترق لتُكافأ بالضوء؛ الضوء نتيجة، لا هدف. تحترق لأن هذه طبيعتها، وتفنى وهي تعطي، ولا تسأل من يستفيد من نورها ولا كم سيدوم إعجابه به. وهذا ما يجعل صورتها قريبةً جدًّا من كرمٍ لا يحسب: أن نعطي كما تحترق الشمعة، لا كما تُقرَض القروض. فالقرض ينتظر سدادًا، والشمعة لا تنتظر شيئًا سوى أن تكون نفسها حتى النهاية.

وتُروى عن رابعة أيضًا حكايةٌ قصيرة: أنها كانت تصعد جبلًا يومًا، فاجتمعت حولها الوحوش والغزلان بلا خوف، حتى جاء أحد الزهّاد فهربت منه الحيوانات فورًا. فسُئل عن السبب، فقيل إنه أكل يومها من طعامٍ فيه شبهة، فأحسّت الحيوانات بشيءٍ في قلبه لم تُحسّ به في قلب رابعة. وسواء صحّت الحكاية تاريخيًّا أم كانت رمزًا نسجه محبّوها، فإنها تحمل معنى جميلًا: أن القلب الصافي من الحساب يُشعّ أمانًا يلمسه من حوله دون كلام، وأن الكائنات — والناس كذلك — تعرف الفرق بين من يعطي بصدق ومن يعطي وهو يعدّ.

الحب الذي لا يشتري ولا يُشترى

وليس معنى هذا أن ننتقص من قيمة الرجاء والخوف في حياتنا؛ فرابعة نفسها لم تُنكر أن للناس مقامات مختلفة، وأن كثيرين يحتاجون الترغيب والترهيب في بداية الطريق كما يحتاج الطفل مكافأةً صغيرة ليتعلّم. لكنها أشارت إلى أفقٍ أبعد: أن ثمة محبةً لا تحتاج لا هذا ولا ذاك، محبةً تكفيها نفسها. وهذا الأفق ليس حكرًا على العارفين وحدهم؛ نلمسه كل مرّة نساعد فيها أحدًا لا يعرف أننا ساعدناه، أو نبتسم لغريبٍ لن نراه مرّة أخرى، أو نحبّ من لا يستطيع أن يردّ لنا شيئًا. في تلك اللحظات الصغيرة، نلمس طرفًا من كرمٍ لا يحسب، ونشعر — ولو للحظة — بخفّةٍ لا يعرفها من يعطي وهو يعدّ.

وربما هذا أجمل ما تتركه لنا رابعة: أن الحب حين يتحرّر من الخوف والطمع معًا لا يفقر، بل يزداد اتساعًا. فمن أحبّ لذات المحبوب، لا لما يجنيه منه، صار قلبه بيتًا واسعًا لا تُغلق أبوابه بخيبة أمل، لأنه لم يكن ينتظر شيئًا ليُغلَق من أجله. وهذا نوعٌ من الحرية لا يعرفها إلا من جرّب أن يعطي مرّةً واحدة بلا حساب، فوجد أن يده، بعكس كل توقّعاته، لم تفرغ، بل امتلأت بشيءٍ لا اسم له سوى الفرح.