هناك جوعٌ لا يُشبعه طعام، وعطشٌ لا يرويه ماء. اسمه الطمع. تأخذ فيمتلئ جيبُك، لكن قلبُك يبقى فارغًا. فتظنّ أن الحلّ أن تأخذ أكثر. لكنّ الطمع، حين ننظر إليه عن قرب، ليس زيادةً في الرغبة. إنه فراغٌ في الداخل نحاول أن نملأه من الخارج. إنه خوفٌ يلبس ثوب الرغبة، ويقول لنا في كل مرّة: ربما لا يكفي ما بين يديك.
وكلّنا نعرف هذا الشعور: تشتري الشيء الذي طالما أردته، فتفرح به يومًا أو يومين. ثم تعود العينُ تبحث عن جديد، كأنّ شيئًا لم يكن. هنا تنفع نظرةٌ من كارل يونغ: النفس، حين لا تجرؤ على النظر إلى نقصٍ في داخلها، تدفعه إلى الخارج وتبحث عنه هناك. وهو ما سمّاه «الإسقاط». فالطمّاع لا يشتهي المالَ في ذاته، بل يشتهي طمأنينةً ظنّ أنها تُشترى به. ولأنها لا تُشترى، يظلّ يشتري.
ولعلّ أول ما يفكّ العقدة أن نفرّق بين الطمع والحاجة. فالحاجةُ لها حدٌّ تعرفه النفس: الجائع يشبع فيتوقّف، والعطشان يرتوي فيهدأ، والبردان يدفأ فيسكن. أما الطمع فبلا حدّ. فهو لا يطلب شيئًا بعينه يمكن بلوغه، بل يطلب «المزيد». والمزيد ليس مكانًا يُوصَل إليه، بل اتجاهٌ لا ينتهي. ولهذا قد يكون أفقرَ الناس أكثرَهم مالًا، إن صار قلبه يقيس نفسه بالمزيد لا بالكفاية.
حكاية «يكفي»
يروي الكاتب كورت فونيغت حكايةً عن صديقه الروائي جوزيف هيلر. كانا في حفلةٍ أقامها ملياردير على جزيرة، فقال فونيغت مازحًا: إنّ مضيفنا يكسب في يومٍ واحد أكثر مما جنيتَه أنت من روايتك في عمرها كلّه. فأجابه هيلر بهدوء:
عندي شيءٌ لن يملكه هذا الرجل أبدًا: أن أعرف أنّ ما عندي يكفي.جوزيف هيلر
الرجل الغنيّ جدًّا قد يملك كلّ شيء إلا هذا الشعور، وهو وحده ما لا يُشترى بمال. لهذا يعيش الطمّاع فقيرًا مهما جمع؛ فالفقر ليس في اليد الفارغة بل في القلب الذي لا يقول: يكفي. وقد لاحظت الكاتبة آني ديلارد الشيء نفسه حين وصفت حياة اللذة المتّصلة، التي تقفز من متعةٍ إلى متعة بلا توقّف، بأنها «حياة طمع»، لأنها تطلب المزيد دائمًا ولا تُقيم في نعمةٍ حتى تفرّ إلى غيرها.
وجرّبْ أن تتذكّر آخر شيءٍ اشتهيته زمنًا ثم نِلتَه: كم دام فرحُك به؟ غالبًا أسبوعًا أو أسبوعين، ثم صار عاديًا، وصار جزءًا من الأثاث، وعادت العينُ تبحث عن التالي. وهذا ليس عيبًا فيك، بل هي طريقة النفس في التعوّد: ما إن نبلغ سقفًا حتى يصير أرضًا نقف عليها لنطلب سقفًا أعلى. ولهذا يظلّ «ما يكفي» يبتعد كلّما اقتربنا منه، لأننا نحن مَن نحرّكه بأنفسنا في كل مرّةٍ نصل.
وما يجعل الأمر أصعب اليوم أنّ كثيرًا ممّا حولنا مصمَّمٌ ليُبقي «ما يكفي» بعيدًا: إعلانٌ يخبرك أنّ حياتك ناقصةٌ حتى تشتري، وشاشةٌ لا تنتهي كلّما نزلت فيها ظهر لك جديد. ليست غايتها أن تصل، بل أن تظلّ تطلب. ومن عرف هذه اللعبة صار أقدرَ على الخروج منها بخطوةٍ واحدة: أن يسأل نفسه، قبل أن يمدّ يده، مَن الذي يريدني أن أشعر بالنقص الآن؟
والأعجب أنّ الطمع يزيد الخوف بدل أن يطمئنه. من يملك القليل يخاف قليلًا، ومن يملك الكثير يقضي عمره حارسًا خائفًا أن ينقص. فنتعب لنجمع، ثم لنحرس، ثم من الخوف على ما حرسنا؛ ثلاثة أتعاب، والراحة تبتعد خطوةً في كل مرّة.
وقد كتب يونغ ذات مرّة جملةً تصلح دواءً لهذا كلّه، حين نصح مريضةً كانت تبحث عن الوضوح في الخارج أن تبحث عنه حيث هو:
بصيرتُك لن تصفو إلا حين تنظر إلى داخل قلبك؛ فمن ينظر إلى الخارج يحلم، ومن ينظر إلى داخله يستيقظ.كارل يونغ · من رسالةٍ له، 1916
وقبله بقرون، وصف الغزالي الدواء في كلمة: القناعة. لا أن نكره الرزق أو نرفض الخير، بل أن تكون النفسُ غنيةً ولو كانت اليد متوسطة. قال ما معناه إنّ الغنى ليس كثرة المتاع بل غنى النفس؛ فمن رضي بما قُسم له فهو غنيّ ولو صغُر بيته، ومن لم يرضَ فهو فقير ولو ملك خزائن الأرض. الصوفيّ وعالم النفس يقفان على ضفّتين لنهرٍ واحد، ويشيران إلى المكان نفسه: الداخل.
انظر إلى هذه اللوحة: جمجمةٌ، وإلى جوارها قطعُ نقودٍ ذهبية، وفوقها فقاعةُ صابونٍ تكاد تنفجر. المعنى واضح بلا كلام: المال يبقى ونحن نرحل، والفقاعة مهما لمعت لا تدوم. وقد أحبّ الرسّامون القدامى أن يجعلوا الذهب صورةً لشيء أكبر منه — لكمالٍ داخليّ نطلبه فنظنّه في الخارج. والطمّاع يخلط بين الذهب وبين ما يرمز إليه: يجمع المعدن في يده، ويُضيّع في صدره ما كان المعدن مجرّد إشارةٍ إليه.
والصوفية يرون الطمع مرضًا لا جريمة، والمريض يُداوى بالرفق لا بالتوبيخ، وكثيرًا ما ضربوا المثل بالطير. العصفور يخرج في الصباح جائعًا ويعود في المساء شبعان، ولا يخزّن في عشّه أكداسًا من الحَبّ خوفًا من الغد؛ لا لأنه غافل، بل لأنه واثق. والطمع، في عمقه، قلّةُ ثقة: أن نقول في سرّنا إنّ غدنا لن يأتي بخير، فنحاول أن نمسك الغد كله بأيدينا اليوم. ومن أشهر ما يُنسب إلى الرومي في هذا الباب جملةٌ صغيرة تقلب المطاردة رأسًا على عقب:
ما تبحث عنه يبحث عنك.جلال الدين الرومي
أي أنّ الرزق ليس فريسةً تُطارَد، وأنّ في السكون أحيانًا ما ليس في الركض. والطبيعة كلّها تقول هذا بلغتها: الشجرة لا تأكل من ثمرها، والنهر لا يشرب من مائه، والشمس لا تحبس نورها. كلّها تعطي فلا ينقص عطاؤها من غناها شيئًا. أما اليد المقبوضة فلا تُمسك ولا تستقبل. وهنا يلتقي درسُ التصوّف بدرس علم النفس: نشفى من الأخذ حين نتعلّم العطاء. ومن جرّب العطاء يعرف تلك المفارقة الصغيرة: أنّ اليد حين تمتدّ لتعطي تشعر بالسعة لا بالنقص، كأنّ المكان الذي أفرغه العطاء امتلأ بشيءٍ آخر لا اسم له.
وفي لوحة بروغل يجلس الحصّادون تحت شجرة عند الظهيرة: عملوا، ثم توقّفوا ليأكلوا خبزًا بسيطًا وينالوا غفوةً في الظل. لا قصور ولا خزائن ولا ذهب يُوزن — رغيفٌ وظلٌّ وتعبٌ يعقبه راحة. هذه هي صورة «ما يكفي» التي يعجز الطمّاع عن رؤيتها: أن يتوقّف الإنسان لحظة، ويجلس تحت الشجرة، وينظر إلى ما بين يديه فلا يجده قليلًا.
القناعة ليست كسلًا
وليست القناعة أن نترك السعي، أو نرضى بالظلم ونسمّيه رضًا. الفرق بين الساعي القنوع والطامع ليس في مقدار العمل، بل في موضع القلب: قلبُ الأول ساكنٌ وهو يتعب، وقلبُ الثاني قلقٌ وهو يربح. والمال في يد القنوع خادمٌ يُطعم ويكسو؛ إنما يصير سيّدًا قاسيًا حين يترك اليد ويدخل القلب.
ولعلّ أجمل ما في هذا الطريق أنّ التحرّر من الطمع ليس حرمانًا، بل اتّساع. فحين نكفّ عن مطاردة «المزيد»، نلتفت أخيرًا إلى ما بين أيدينا فنراه كأنّنا نراه لأول مرّة: وجهٌ نحبّه، وصباحٌ يتنفّس، ورغيفٌ وظلُّ شجرة. الكفاية ليست رقمًا نبلغه يومًا ما، بل عينٌ نفتحها اليوم؛ وما إن نفتحها حتى نكتشف أنّنا كنّا أغنى ممّا ظننّا طوال الوقت. ومن تعلّم أن ينظر إلى ما عنده فيقول بامتنان: هذا يكفيني، يكون قد وجد بابًا صغيرًا إلى فرحٍ كبير — فرحٍ لا يشتريه المال، ولا ينقص إن أعطيتَ منه غيرك، بل يزداد.
وإن أردت أن ترى هذه القناعة من زاويةٍ أخرى، فقد وصفها الحكيم الصيني لاوتزو قبل خمسة وعشرين قرنًا بصورةٍ لا تُنسى: كأسٌ نعرف متى نتوقف عن ملئها قبل أن يفيض. تجد هذه القراءة كاملةً في مقال كأسٌ لا تعرف متى تتوقف.
وثمة صورةٌ أخرى لهذه القناعة نفسها، جاءت هذه المرّة من الغرب: الكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو، الذي تخيّل يومًا أنه اشترى بستانًا كاملًا، ورتّب كل شجرةٍ فيه في خياله، ثم تركه بلا شراءٍ ولا زرع، ليكتب جملته الشهيرة: أن الإنسان غنيٌّ بقدر ما يستطيع أن يستغني عنه من الأشياء. تجد هذه القراءة كاملةً في مقال البستان الذي لم يُزرع.
