النار في الموقد تخبز الخبز وتدفئ البيت، والنار نفسها إن خرجت من الموقد تحرق البيت كله. والشهوة أشبه شيءٍ بهذه النار: ليست شرًّا في ذاتها، بل هي طاقةٌ حيّة أودعها الله في الإنسان ليأكل فيحيا، ويحبّ فيتكاثر، ويشتهي الجمال فيبدع. المشكلة ليست في وجود النار، بل حين تُترك بلا موقد، فتحرق كل ما حولها ظنًّا منها أنها تتوسّع، وهذا السؤال بالذات — من أين تأتي هذه القوة الغريبة التي تجعل رغبةً صغيرة تكبر حتى تحجب كل ما عداها؟ — هو ما سنحاول أن نفهمه هنا، لا لنحكم على الرغبة، بل لنعرف كيف نقودها.
وحين نتحدّث عن الشهوة في هذا المقال، لا نعني إدانة الرغبة أو الدعوة إلى إخمادها، فهذا مستحيلٌ وغير مطلوب أصلًا. الجسد له حقّه، والقلب له أشواقه، والعين تحبّ الجمال بفطرتها. لكن الفرق كل الفرق بين رغبةٍ نقودها ورغبةٍ تقودنا: الأولى خادمٌ أمين يخدم حياةً أكبر منه، والثانية سيّدٌ لا يشبع، يبتلع الوقت والانتباه والعلاقات، ويترك صاحبه في النهاية أفقر ممّا كان، لا أغنى.
وقد صوّر الغزالي هذا الصراع بمثَلٍ لا يزال حيًّا بعد قرون: تخيّل الجسد مملكةً صغيرة، والعقل فيها ملكٌ يُفترض أن يحكم، وللملك جنودٌ من الحواس والقوى تخدمه. لكن في هذه المملكة قوّتين خطيرتين لا تُهزمان بالقمع، بل تحتاجان إلى قيادةٍ حكيمة: الشهوة والغضب. فإن تركهما الملك بلا زمام، انقلبتا عليه وحكمتا المدينة بدله، وصار العقل أسيرًا في قصره الخاص. وإن قادهما بحزمٍ ورفق، صارتا من أقوى جنوده: الشهوة تصير حبًّا يبني بيتًا، والغضب يصير شجاعةً تحمي حقًّا.
حين يعلو العقل، وحين تعلو الرغبة
ولنتخيّل هذه المملكة عن قرب: ليس فيها عدوٌّ خارجيٌّ واحد يُقاتَل مرّةً وينتهي الأمر، بل جنودٌ داخليون يحتاجون قيادةً يومية متجدّدة. يومٌ يطيعون فيه الملك بسهولة، ويومٌ آخر يتمرّدون فيه بعنف. وهذا لا يعني أن الملك فشل، بل أن الحكم نفسه عملٌ مستمر لا يُنجَز مرّةً واحدة ويُطوى ملفّه. من ينتظر يومًا يهزم فيه شهوته نهائيًّا وللأبد سينتظر طويلًا؛ أما من يقبل أن كل يومٍ معركة قيادةٍ جديدة، فهو أقرب إلى فهم طبيعة النفس البشرية كما هي، لا كما نتمنّاها أن تكون.
وفي هذا المعنى قال جلال الدين الرومي كلمةً توزن بها المسافة بين الإنسان والحيوان، لا في الشكل بل في القيادة الداخلية:
من يعلو عقلُه على شهوته أرفعُ من الملائكة، ومن تعلو شهوتُه على عقله أدنى من البهائم.جلال الدين الرومي
والمفارقة أن البهيمة لا تُلام على شهوتها، لأنها لم تُعطَ عقلًا يقودها؛ أما الإنسان فقد أُعطي العقل بالضبط ليكون هو السائق لا الراكب. وحين يتنازل عن السياقة، لا يعود إلى مرتبة البهيمة البريئة، بل يهبط إلى ما هو أقسى: إنسانٌ يعرف الطريق الصحيح ولا يسلكه، عقلٌ حاضرٌ لكنه مخلوعٌ عن كرسيّه بيدَي صاحبه نفسه.
وهنا يفيدنا أن نستعير من كارل يونغ فكرةً عن الظلّ: كل رغبةٍ نمنع أنفسنا من النظر إليها بصدق لا تختفي، بل تنزل إلى قبوٍ مظلم في النفس وتنتظر هناك، وتخرج حين نضعف في صورةٍ أعنف مما كانت لتكون لو نظرنا إليها من البداية بوضوح. فالكبت ليس علاجًا، بل تأجيلًا يزيد الفاتورة. أما الاعتراف بالرغبة، ثم اختيار كيف نتصرّف حيالها، فهو الطريق الوحيد الذي يبقي القيادة بيد صاحب المملكة لا بيد جنوده المتمرّدين.
وفي هذه اللوحة، لا نرى شرًّا فادحًا، بل لحظة اكتشافٍ: أن رغبةً بدت بريئة قادت إلى ما لم يكن في الحسبان. وهذه هي طبيعة الشهوة حين تُترك بلا زمام: لا تُعلن عن نفسها بوضوحٍ في البداية، بل تتسلّل في صورة رغبةٍ صغيرة مشروعة، ثم تكبر خطوةً خطوة حتى تصير هي القائد. والحكمة ليست في الخوف من كل رغبة، بل في مراقبتها وهي صغيرة، قبل أن تكبر وتستقلّ بالقرار.
وقد وصف الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس هذا الفخّ بدقّةٍ لا تقلّ عمقًا، حين ربط الحرية الحقيقية بألّا نعلّق قلبنا بما لا نملك أمره:
من أراد أن يكون حرًّا، فلا يشتهِ شيئًا ولا يرفض شيئًا ممّا لا يملك أمره؛ وإلا فهو عبدٌ لا محالة.إبكتيتوس · الإنشيريديون
وهذا يفسّر لماذا يبدو الطريق الأسهل أحيانًا هو الأخطر: لأن الشهوة، بطبيعتها، ترسم الطريق الذي يقود بعيدًا عن الاتزان بألوانٍ جذابة وخطواتٍ سهلة، بينما يبدو طريق الاعتدال في البداية أصعب وأقل بريقًا. لكن من جرّب الطريقين يعرف أن سهولة البداية ليست دليلًا على خيرها، وأن صعوبة الانضباط في أوله غالبًا ما تتحوّل إلى راحةٍ حقيقية في آخره.
وفي هذه اللوحة حكايةٌ يونانية قديمة: كيوبيد، إله الرغبة الصغير، يسرق العسل من خليةٍ فيلسعه نحلٌ غاضب، فيركض باكيًا إلى أمه يشتكي أن شيئًا صغيرًا كهذا يمكن أن يؤلم هكذا. وترد عليه فينوس بابتسامة: أنت أيضًا صغير، وسهامك أيضًا صغيرة، ومع ذلك تترك جراحًا عميقة في قلوب من تصيبهم. هذه هي الشهوة تمامًا: تبدو حلوةً كالعسل، وتترك لسعةً لا تتناسب أبدًا مع صغر اللحظة التي منحتنا إياها.
وفي زماننا، صار من الصعب أن نراقب رغباتنا وهي صغيرة، لأن كل شيءٍ حولنا مصمَّمٌ ليكبّرها بسرعة: شاشةٌ تعرض علينا صورةً ثم أخرى بلا توقّف، وتطبيقاتٌ تُصمَّم عمدًا لتغذّي رغبةً صغيرة حتى تصير عادةً يصعب كسرها. وهذا لا يعني أن الرغبة نفسها أصبحت أخطر ممّا كانت، بل أن الموقد الذي وصفناه في البداية صار أصعب بناءً، لأن كل قوًى خارجية تدفعنا لنترك النار بلا حدود. ولهذا فإن أول خطوةٍ في هذا الزمن ليست مقاومة الرغبة نفسها، بل الانتباه للأدوات التي تكبّرها عمدًا، ومنح أنفسنا مسافةً واعية قبل أن نستجيب لها تلقائيًا.
ومن المفيد أيضًا أن نتذكّر أن كبت الرغبة كليًّا، بدافع الخجل منها أو الخوف من الحديث عنها، غالبًا ما يعطيها قوّةً أكبر ممّا تستحق. فالرغبة التي لا نجرؤ على تسميتها بصوتٍ هادئ في أنفسنا تكبر في الظلام، وتظهر لاحقًا بصورةٍ أعنف ممّا لو واجهناها من البداية بصدقٍ وهدوء. والفرق بين من يقود شهوته ومن تقوده شهوته ليس في مقدار الرغبة التي يشعر بها كل منهما، بل في مدى استعداده لأن يعترف بها لنفسه أولًا، قبل أن يقرّر ماذا يفعل حيالها.
القيادة لا الإخماد
والخلاصة ليست أن نطفئ النار، فهذا لا يبقي بيتًا دافئًا ولا خبزًا مخبوزًا. الخلاصة أن نبنيَ لها موقدًا: حدودًا نعرفها، ووقتًا نخصّصه، ونيّةً نراجعها بصدق كل حين. ومن قاد رغباته بهذا الوعي لم يخسر شيئًا من حرارة الحياة، بل ربح ما هو أثمن: أن يبقى هو من يقرر متى تشتعل النار ومتى تخمد، لا أن يستيقظ يومًا فيجد بيته كله قد احترق وهو يظن أنه كان يتدفأ فقط. وحين تُقاد الرغبة بهذا الرفق، تتحوّل من عبءٍ يُخشى إلى طاقةٍ تُبني بها البيوت، ويُحبّ بها الناس، وتُخلق بها حياةٌ أدفأ لا أشدّ احتراقًا.
ولمن أراد أن يرى صراع الرغبة بصدقٍ نادر، ثمة قصةٌ أخرى تستحق التأمل في مقال أعطني العفّة، ولكن ليس الآن، حيث يعترف أوغسطينوس بصراعه مع رغباته دون تجميل، ويكتشف أن القلب لا يهدأ حتى يجد الاتجاه الصحيح لحنينه.
ولمن أراد أن يرى كيف تُضبط الرغبة والانضباط معًا في تجربة أخرى، ثمة مقال الوتر الذي لا يُشَدّ كثيرًا، حيث يعلّم بوذا الراهب سونا أن المثابرة نفسها تحتاج ضبطًا، كما يُضبط وتر آلة.
ولمن أراد أن يرى كيف وصف فيلسوفٌ آخر جوهر هذه الرغبة التي لا تكفّ عن السعي، ثمة مقال بندولٌ لا يستقر، حيث يرى شوبنهاور أن الحياة تتأرجح بين الألم والملل، وأن الرغبة، حين تُشبَع، لا تهدأ بل تلد رغبةً جديدة.
