Thursday 30 July 2026 ✦ ليوم هو كل ما نملك
ليــوم
الاعتدال

الوتر الذي لا يُشَدّ كثيرًا: بوذا وسرّ الاعتدال بين الجهد والراحة

Editorial · 4 دقائق قراءة
تمثال بوذا جالسًا في لحظة بلوغ التنوير، يحيط به تمثالان أصغر لبوديساتفا، من الهند القديمة
«بوذا جالسًا يبلغ التنوير، يحيط به أفالوكيتيشفارا ومايتريا»، الهند، دير نالاندا، أواخر القرن العاشر أو الحادي عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

كان سونا راهبًا شابًا اجتهد في طريق التأمل حتى أنهك نفسه: كان يمشي جيئةً وذهابًا في تأمله حتى تشققت قدماه ودميتا، وصار يزحف أحيانًا من شدة الألم. وحين لم يبلغ ما كان يرجوه من صفاءٍ داخلي، بدأ يفكر: لعلّي أعود إلى حياة العامة، أنفق مالي في الصدقة، وأعيش حياةً عادية بدل هذا الجهد الذي لا يُثمر. علم بوذا بما يدور في نفسه، فأتى إليه وسأله سؤالًا لم يكن يتوقعه: أكنت ماهرًا في عزف العود حين كنت لا تزال في بيت أهلك؟ فأجاب سونا: نعم يا معلّم.

حين تكون أوتار العود مشدودةً أكثر مما ينبغي، أيكون العود مهيّأً للعزف؟ لا يا معلّم. وحين تكون مرتخيةً أكثر مما ينبغي؟ لا يا معلّم أيضًا. أما حين لا تكون مشدودةً كثيرًا ولا مرتخيةً كثيرًا، بل مضبوطةً على درجتها الصحيحة، عندها فقط يكون العود مهيّأً للعزف.بوذا، مخاطبًا الراهب سونا، «سونا سوتا»، أنغوتارا نيكايا 6:55، ترجمة ثانيسارو بيكخو

ثم أكمل بوذا الدرس: كذلك المثابرة يا سونا؛ إن اشتد الجهد أكثر مما ينبغي أدّى إلى الاضطراب والقلق، وإن ارتخى أكثر مما ينبغي أدّى إلى الكسل والتراخي. فاضبط مثابرتك على درجتها الصحيحة، كما يُضبط الوتر، لا أقل ولا أكثر. لم يطلب منه أن يتوقف عن الجهد، ولا أن يعود إلى الانغماس الذي أتى يهرب منه أصلًا؛ طلب منه أن يجد النقطة التي يُسمع فيها الصوت صافيًا: لا وترٌ صامتٌ من الرخاوة، ولا وترٌ مقطوعٌ من فرط الشدّ.

لا انغماسٌ ولا حرمان

ولم يكن هذا الدرس غريبًا عن تجربة بوذا نفسه؛ فقد عاش قبل تنويره سنواتٍ في التقشف الشديد، يكاد يقتل نفسه جوعًا ظنًّا منه أن الحقيقة تكمن خلف الألم الأقصى، بعد أن كان قد عاش شبابه الأول غارقًا في ترف قصر أبيه بلا حدّ. وحين أدرك أن كلا الطرفين — الانغماس التام والحرمان التام — أوصلاه إلى الطريق المسدود نفسه، لا إلى الحكمة، تخلّى عنهما معًا ووجد ما سمّاه لاحقًا «الطريق الأوسط». وهذا صدى مباشر لما تحدثنا عنه في مقال حصانٌ نمتطيه لا يمتطينا: أن الرغبة، سواء أطلقناها بلا قيد أو خنقناها بلا رحمة، تنتهي إلى السيطرة علينا من بابٍ آخر.

آلة عود إيطالية قديمة من خشب مزخرف، بأوتار عديدة ورقبة طويلة
ديفيد تيكلر، «عودٌ كبير»، نحو 1725 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وحين ألقى بوذا خطبته الأولى في حديقة الغزلان بمدينة سارنات، بعد بلوغه التنوير مباشرة، افتتحها بالفكرة نفسها التي علّمها لسونا لاحقًا:

هذان طرفان لا ينبغي أن يسلكهما من ترك بيته طلبًا للحق: الانغماس في ملذّات الحواس، وهو أمرٌ وضيع لا يُثمر؛ والتعذيب الذاتي، وهو أمرٌ مؤلم لا يُثمر أيضًا. متجنبًا هذين الطرفين، أدرك التاثاغاتا الطريق الأوسط الذي يفتح البصيرة ويقود إلى السكينة.بوذا، «سوترا إدارة عجلة الحق» (دهاماتشاكابافاتانا سوتا)، ترجمة ثانيسارو بيكخو

وما يجعل هذا الدرس أعمق من مجرد نصيحة بالتوازن، هو أنه لا يدعو إلى موقفٍ باردٍ في المنتصف، بل إلى إصغاءٍ دقيق لحال النفس في كل لحظة: أوترٌ اليوم مشدودة أم مرتخية؟ وهذا يشبه ما وصفناه في مقال في مديح البطء عن الإيقاع الذي يليق بكل موسمٍ من مواسم الحياة، وما رأيناه أيضًا مع أبيقور في مقال متعةٌ هادئة، حين وجد في كسرة خبزٍ لذّةً أعمق من مأدبةٍ فاخرة، لأن الاعتدال، لا الكثرة ولا الحرمان، هو ما يفتح الحواس لتذوّق ما بين أيدينا فعلًا.

العزف الذي يبدأ حين نتوقف عن الشدّ

وأنهى بوذا حديثه مع سونا، فذهب الراهب وضبط مثابرته كما يُضبط الوتر، لا شديدةً تُنهك الجسد، ولا مرتخيةً تُهمل الروح؛ وبلغ بعد ذلك ما كان يطلبه. والقصة تصلنا اليوم بدرسٍ بسيط لكل من يحاسب نفسه بقسوة: أن الفشل في بلوغ هدفٍ ما ليس دليلًا على أننا لا نبذل جهدًا كافيًا، بل قد يكون بالضبط دليلًا على أننا نشدّ الوتر أكثر مما يحتمل.

تمثال طيني صيني صغير لعازفة موسيقى تحمل عودًا، من عهد أسرة تانغ
«عازفةٌ تحمل عودًا»، الصين، أواخر القرن السابع — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ولعلّ أجمل ما في الصورة أعلاه أن العازفة لا تجاهد الآلة، بل تجلس معها بهدوءٍ يشي بأن العزف نفسه صار سهلًا حين وُجدت الدرجة الصحيحة للوتر. وهذا ما يعدنا به الاعتدال في كل جانب من حياتنا: ليس منتصفًا باهتًا بين رغبةٍ ونقيضها، بل هو اللحظة التي يتوقف فيها الجهد عن أن يكون معركة، ويصير عزفًا. ومن يتعلّم أن يضبط وتره — لا أن يشدّه حتى ينقطع، ولا أن يرخيه حتى يخرس — يكتشف أن الصبر الذي يليه ليس انتظارًا مملًّا، بل ثقةً هادئة بأن كل شيءٍ يجد إيقاعه في وقته؛ وهذا بالضبط ما ينتظرنا في المحطة التالية من هذه الرحلة: البذرة لا تُستعجل.

شارك المقال

هل ألهمك المقال؟

انضمّ إلى القرّاء الذين يستقبلون تأمّلًا واحدًا كل أسبوع، مباشرة إلى بريدهم.

اقرأ أيضًا