
في نيسابور، أواخر القرن الحادي عشر، عاش رجلٌ اشتهر بين معاصريه عالمَ رياضياتٍ وفلكٍ قبل أن يشتهر شاعرًا: عمر الخيام (1048–1131)، الذي وضع تقويمًا أدقّ من كثيرٍ ممّا عرفه عصره، وكتب إلى جانب ذلك رباعياتٍ قصيرة لم تكتمل شهرتها إلا بعد ثمانية قرون، حين ترجمها الإنجليزي إدوارد فيتزجيرالد عام 1859 إلى قصيدةٍ واحدة متصلة عُرفت باسم «رباعيات عمر الخيام». وقرأها كثيرون على أنها دعوةٌ صريحة للّذة: اشرب، واعشق، فالوقت لا ينتظر. لكن من يقرأ الرباعيات بتأنٍّ يجد فيها ما هو أدقّ من ذلك: أن اللذة نفسها، حين نتأمّلها جيدًا، تشير إلى شيءٍ أبعد منها.
كتابُ أشعارٍ تحت غصنٍ، وجرّةُ نبيذٍ، ورغيفُ خبزٍ — وأنتِ، بجانبي تُغنّين في البرّية — آه، لكانت البرّية فردوسًا يكفي!عمر الخيام · «الرباعيات»، ترجمة إدوارد فيتزجيرالد، الطبعة الرابعة، 1879
ما الذي يشتريه بائع النبيذ؟
هذا البيت هو الأكثر اقتباسًا من الرباعيات كلها، وقد فُهم غالبًا على أنه مديحٌ للنبيذ وحده. لكن تأمّل ترتيب الأشياء فيه: كتاب، وجرّة، ورغيف، ثم — وهنا المفصل — «وأنتِ». القائمة تتصاعد من الشيء إلى الإنسان، ومن الحسّي إلى الحضور. والخيام، في رباعيةٍ أخرى أقل شهرة لكنها أصدق كشفًا، يعترف بشكٍّ يُدهش من يظنّه مجرد داعيةٍ للّذة:
كثيرًا ما أتساءل: ماذا يشتري الباعة بأغلى ممّا يبيعون؟عمر الخيام · «الرباعيات»، ترجمة إدوارد فيتزجيرالد
سؤالٌ بسيط، لكنه يقلب القصيدة كلها رأسًا على عقب. فالخيام لا يقول إن النبيذ بلا قيمة، بل يتساءل: ما الذي نطلبه فعلًا حين نطلب الكأس؟ أليس هو النسيان، أو الرفقة، أو لحظة صفاءٍ نادرة، لا السائل نفسه؟ وهذا قريبٌ ممّا كتبه الرومي بصورةٍ أخرى في مقال القصبة التي تئنّ: أن الحنين الذي نظنّه شوقًا لشيءٍ في الخارج هو في حقيقته شوقٌ لأصلٍ افتقدناه. الشهوة، في كلا القراءتين، ليست عدوًّا، بل إصبعٌ يشير؛ والخطأ الوحيد أن نتوقف عند الإصبع ونظن أننا وصلنا.

حين تكبر الرغبة عن نفسها
ولعلّ أجمل ما في حكمة الخيام أنها لا تدعونا إلى الزهد، بل إلى الانتباه. فكما رأينا في مقال أعطني العفّة، ولكن ليس الآن، حين اعترف أوغسطينوس بأن قلبه ظلّ قلقًا حتى استقرّ على شيءٍ أكبر من رغباته المتفرّقة، يقترح الخيام طريقًا أهدأ: ألّا نقاوم الرغبة بالقمع، بل أن نسألها ماذا تريد فعلًا. حين نشرب كأسًا وننتبه، لا حين نشربها لننسى، نكتشف أن ما كنا نبحث عنه لم يكن أبدًا في الكأس، بل في اللحظة التي جمعتنا حولها: صوتٌ نحبّه، صديقٌ يشاركنا الصمت، حديقةٌ لا نراها إلا حين نتوقف عن الركض فيها.
وهذا ما يميّز قراءة الخيام الهادئة عن قراءتين متطرّفتين شائعتين لفكرة اللذة: الأولى تكبت الرغبة وتُجرّمها، فتُنتج قلبًا مضطربًا كقلب أوغسطينوس قبل أن يستقرّ؛ والثانية تُطلقها بلا سؤال، فتُنتج جرّةً بعد جرّة دون أن تشبع أبدًا. أما الخيام فيقترح مسارًا ثالثًا: أن نشرب، لكن ببطءٍ يكفي لنسمع ما تقوله الكأس نفسها حين نصغي إليها جيدًا. فالرغبة، حين نمنحها هذا القدر من الانتباه، تتوقف عن أن تكون عبئًا يُطارَد، وتصير مرشدًا صادقًا نحو ما نحتاجه فعلًا.

وكما رأينا مع تولستوي في مقال قطرة العسل التي لم تعد تكفي، حين يخبرنا أن اللذة نفسها لا تُشبعنا مرتين بالقدر نفسه، فإن حلّ الخيام ليس مطاردة كأسٍ أكبر، بل الانتباه لما تُشير إليه الكأس الصغيرة التي بين يدينا. وللشهوة حين تفلت من ميزانها دواءٌ رأيناه في مقال الميزان الداخلي: أن نُبقيها ضيفًا نستقبله بحفاوة، لا سيّدًا نخضع له. ومن هذا الاكتفاء الهادئ تبدأ محطتنا التالية، حيث نرى الرغبة حين تتحوّل عدسةً موجّهة نحو ما يملكه الآخرون، في مقال اللص الذي فينا لا في الجار. فالجرّة، في النهاية، لا تُباع بثمن؛ لأن ما فيها من صحبةٍ وحضورٍ لا يشتريه بائعٌ ولا يبيعه، ولا نملكه إلا حين نتوقف عن شرائه بحثًا عن المزيد.

