تمثال خشبي مذهّب للقديس ميخائيل الملاك من عصر النهضة، محفوظ في كلويسترز بمتحف المتروبوليتان
«القديس ميخائيل»، نحو 1530، خشب مطليّ ومذهّب — صورة الملاك التي نطمح إليها حين ننسى أننا لا نزال بشرًا — متحف المتروبوليتان، مجموعة كلويسترز · ملكية عامة

في السابعة من عمره كان يسأل عن سبب الأصوات، وفي السادسة عشرة كتب بحثًا في الهندسة أذهل كبار علماء عصره، وفي التاسعة عشرة اخترع أول آلة حاسبة ميكانيكية لتساعد والده في حساب الضرائب. بليز باسكال (1623–1662) كان عبقريًّا لا يعرف حدودًا لطموحه العقلي. لكنه، في السنوات الأخيرة من حياته القصيرة، توقف عن ملاحقة الكمال في كل شيء، وكتب بدل ذلك ملاحظةً واحدة بسيطة غيّرت فهمنا للفضيلة نفسها.

جمع باسكال أفكاره الأخيرة في أوراقٍ متناثرة، عُرفت بعد موته باسم «خواطر» (Pensées)، حاول فيها أن يفهم مكان الإنسان بين عالمين: عالم الملائكة الخالص من الشهوة والخطأ، وعالم الوحوش الغارق في الغريزة بلا وعي. وخلص إلى أن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه هو أن ينسى أنه لا هذا ولا ذاك، بل مزيجٌ منهما معًا:

الإنسان ليس ملاكًا ولا وحشًا، والمصيبة أن من يريد أن يتصرّف كالملاك، ينتهي به الأمر متصرّفًا كالوحش.باسكال · خواطر (Pensées)

حين تصير الفضيلة نفسها خطرًا

وهذه هي المفارقة التي يستحق التوقّف عندها طويلًا: أن السعي المتطرّف نحو الكمال ليس أمانًا من الرذيلة، بل طريقًا آخر إليها. من يرفض أن يغضب أبدًا قد ينفجر يومًا بعنفٍ لا يُحتمل. ومن يزهد في كل رغبةٍ جسدية قد يقع فريسة هوسٍ أشد خطورة. وهذا يشبه ما رأيناه مع كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره: أن الجزء منّا الذي نرفض الاعتراف به، بحجّة أننا نطمح للكمال، لا يختفي، بل يتربّص بنا من الجهة المقابلة تمامًا. باسكال لم يدعُ إلى التخلي عن الفضيلة، بل إلى فضيلةٍ تعرف أنها تُبنى فوق أرضٍ بشرية، لا فوق سحاب.

نقش لسفينة تتقاذفها الأمواج والرياح في عاصفة بحرية، من مجموعة العناصر الأربعة لستيفانو ديلا بيلا
ستيفانو ديلا بيلا، «الماء: سفينةٌ في عاصفة»، من مجموعة «العناصر الأربعة»، نحو 1645–1650 — رياحٌ متعاكسة تُبقي السفينة منتصبة، لا رياحٌ واحدة — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ووصف باسكال هذا التوازن بصورةٍ بحرية دقيقة، أقرب ما تكون إلى تجربة كل بحّار عرف عاصفة حقيقية: أننا لا نقف منتصبين بقوّتنا وحدها، بل بفعل قوتين متعاكستين تشدّاننا من جهتين، فتُبقياننا في المنتصف بدل أن نسقط:

لا نحافظ على استقامتنا في الفضيلة بقوّتنا الخاصة، بل بموازنةٍ بين رذيلتين متعاكستين، تمامًا كما نبقى منتصبين وسط ريحين متعاكستين؛ فإن أزلنا إحدى الرذيلتين، سقطنا في الأخرى.باسكال · خواطر (Pensées)، ترجمة و. ف. تروتر

البطل الذي يحمل وحشه لا يقتله

وهذه الصورة تذكّرنا بأسطورةٍ أقدم بكثير: حين طُلب من هرقل أن يقتل خنزير إريمانتوس البري، لم يقتله، بل صارعه وقيّده وحمله حيًّا على كتفيه ليقدّمه لملكه. لم يكن الانتصار الحقيقي في إبادة الوحش، بل في ترويضه وحمله دون أن يُمزّقه أو يهرب منه. وهذا بالضبط ما يقترحه باسكال: أننا لا ننتصر على الجانب «الوحشي» فينا بمحوه، بل بأن نتعلّم كيف نحمله معنا بوعي، كما تعلّم بوذا نفسه حين اكتشف أن التوتّر الزائد في وتر العود يقطعه، والتراخي الزائد يُسكته، كما جاء في مقال الوتر الذي لا يُشَدّ كثيرًا.

منحوتة فرنسية تصوّر هرقل يسلّم خنزير إريمانتوس البري حيًّا إلى الملك أوريستيوس، لفرانسوا لسبينغولا
فرانسوا لسبينغولا، «هرقل يسلّم خنزير إريمانتوس البري إلى أوريستيوس»، أواخر القرن السابع عشر — لا قتل الوحش، بل ترويضه وحمله معنا — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ونفس الحكمة نجدها عند كونفوشيوس، الذي علّم تلاميذه أن الخطوة الزائدة عن الهدف لا تقلّ سوءًا عن الخطوة الناقصة عنه، كما مرّ بنا في مقال خطوةٌ زائدة كخطوةٍ ناقصة. فالاعتدال، عند باسكال كما عند كونفوشيوس وبوذا من قبله بقرون، ليس فتورًا ولا برودة، بل انتباهٌ دائم يمنع الفضيلة نفسها من أن تنقلب إلى نقيضها.

وفي هذا عزاءٌ حقيقي لمن يتعب من محاولة أن يكون كاملًا: أن الهدف ليس أن نصير ملائكة نظيفين من كل شهوة وغضب وخوف، بل أن نتعلّم كيف نمسك بحبل التوازن بين ما نطمح إليه وما نحن عليه فعلًا، كما تمسك السفينة نفسها بريحين متعاكستين وتظل واقفة. ومن هذا التوازن الهادئ، تبدأ فضيلةٌ أخرى تكتمل به: القدرة على الانتظار دون تعجّل، والثقة بأن ما لا نراه الآن يعمل في صمته الخاص، وهو ما ننتقل إليه في محطتنا التالية، مقال البذرة لا تُستعجل.