
في مقالته «عن الاعتدال» (1580)، يفعل الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين شيئًا لا يفعله كثيرون: بدل أن يهاجم الرذائل المعتادة كما فعل من سبقه، يوجّه نقده إلى الفضيلة نفسها حين تفقد اعتدالها. فمن قال «لا يمكن أن يوجد إفراطٌ في الفضيلة، لأنها تتوقف عن كونها فضيلةً إن وُجد فيها إفراط»، يقول مونتين، إنما يتلاعب بالكلمات لا أكثر.
قد نتمسّك بالفضيلة برغبةٍ عنيفة وجشعة حتى تصير رذيلة.ميشيل دي مونتين، «المقالات»، الفصل التاسع والعشرون «عن الاعتدال»، 1580، ترجمة فلوريو 1603
وهذه الملاحظة تنسف فكرةً نحملها منذ الصغر: أن الطريق إلى الخير هو ببساطة أن «نزيد» كل صفةٍ حسنة إلى أقصاها. مونتين يرى العكس: أن الزهد، إن تجاوز حدّه، يتحوّل إلى قسوةٍ على النفس؛ وأن التديّن، إن تجاوز حدّه، يتحوّل إلى تباهٍ يخجل منه المتدينون الحقيقيون أنفسهم. وقد رأى بعينه رجالًا «شوّهوا سمعة إيمانهم بأن أظهروا تديّنًا يفوق مثالهم» — لا لأن الدين خطأ، بل لأن التطرّف في أي اتجاه يُفسد ما كان يمكن أن يبقى جميلًا لو بقي متوازنًا.
السهم الذي يجاوز الهدف يخطئ كمن يقصر عنه
ويشبّه مونتين هذا كلّه بصورةٍ بسيطة من الرماية: من يرمي سهمه فيتجاوز الهدف، لم يُصب أكثر ممّن قصّر عنه؛ كلاهما أخطأ، وإن بدا أحدهما أقرب من الآخر. وهذه الصورة تصلح مقياسًا لكل شيء تقريبًا: الحماس الذي يتجاوز حدّه يحرق صاحبه كما يحرق من لا حماس له؛ الحذر الذي يتجاوز حدّه يشلّ صاحبه كما يشلّ التهوّر. والمشكلة أننا نحتفل غالبًا بالمتجاوز، ونظنّه أفضل من المقصّر، بينما هما في ميزان مونتين على مسافةٍ واحدة من الهدف، كلٌّ من جهته.

ثم يذهب مونتين إلى ملاحظةٍ أدقّ، عن عينيه هو شخصيًّا، تصلح مجازًا لكل ما سبق:
تؤلمني عيناي إن رفعتهما نحو ضوءٍ شديد، بقدر ما تؤلمني إن نزلت بهما إلى ظلامٍ عميق.ميشيل دي مونتين، «المقالات»، الفصل التاسع والعشرون «عن الاعتدال»
وهنا الدرس الأعمق: الطرفان يؤذيان العين بالطريقة نفسها تقريبًا، وإن بدا أحدهما أشرف من الآخر. من يفرط في العمل حتى الإنهاك يظنّ نفسه أفضل ممّن يتكاسل، لكن كليهما يخسر القدرة على العمل الجيد المستمر. ومن يفرط في الحرص على صحته حتى القلق الدائم لا يقلّ ضررًا عمّن يهملها كليًّا. وهذا صدىً لما رأيناه في مقال حصانٌ نمتطيه لا يمتطينا، حين تحدثنا عن الرغبة التي تحتاج يدًا تقودها لا أن تُطلَق ولا أن تُخنق.
الفضيلة التي تحتاج أن تُراقَب هي أيضًا
ولعل أصعب ما في كلام مونتين أنه يطلب منّا أن نراقب حتى أفضل ما فينا. فمن السهل أن نراقب رذائلنا، لأننا نخجل منها أصلًا؛ لكن من يراقب فضائله؟ من يتوقف ليسأل: هل حماسي للعمل الصالح تحوّل إلى تعلّقٍ يؤذيني ويؤذي من حولي؟ هل حرصي على أن أكون شخصًا طيبًا تحوّل إلى إرهاقٍ لنفسي بمعايير لا يطلبها مني أحد؟ وهذا صدىً مبكر لما لاحظه كارل يونغ بعد مونتين بثلاثة قرون تقريبًا: أن كل صفةٍ ندفعها إلى أقصاها تصنع ظلّها الخاص، وأن الفضيلة المبالغ فيها قد تُخفي، لا تُلغي، ما تحاول أن تقمعه.

وهذا يلتقي أيضًا بما رأيناه عند كونفوشيوس في مقال خطوةٌ زائدة كخطوةٍ ناقصة: أن تجاوز الهدف هو نفسه أن تقصر عنه. ومونتين، على بعد قارّةٍ وقرونٍ من كونفوشيوس، وصل إلى الصورة نفسها بالضبط: سهمٌ يطير فوق الهدف لا يُصيب أكثر من سهمٍ يسقط دونه. وكأن الحكماء، مهما اختلفت لغاتهم، يلتقون عند الحقيقة نفسها حين يتأملون الاعتدال بصدق.
وحين نتعلّم أن نراقب حتى فضائلنا بالمحبة نفسها التي نراقب بها رذائلنا، نكتشف أن الاعتدال ليس فتورًا في منتصف الطريق، بل انتباهًا حيًّا يحمي كل خيرٍ فينا من أن ينقلب على نفسه. وهذا الانتباه نفسه هو ما يحتاجه القلب حين يواجه أصعب اختباراته، في محطتنا التالية من هذه الرحلة، حيث يُختبر الاعتدال في أشدّ صوره: البذرة لا تُستعجل، حين نتعلّم أن الثقة بالفصول أصعب من كل استعجالٍ نعرفه.

