منمنمة فارسية بعنوان الدراويش الراقصون من ديوان حافظ، تُنسب إلى بهزاد، تصوّر دراويش في حلقة سماع
«الدراويش الراقصون»، ورقة من ديوان حافظ، تُنسب إلى بهزاد، هراة، نحو 1480 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في حلقة السماع، حيث يدور الدراويش حول أنفسهم في حركةٍ لا تتوقّف، هناك آلةٌ واحدة تقود اللحن كله: الناي، تلك القصبة المجوّفة التي لا تصدر صوتًا إلا لأنها جُرحت أولًا. قُطعت من غابها، وثُقبت فيها فتحاتٌ، وأُفرغ داخلها من لبّه؛ ولولا هذا الجرح كله لبقيت قصبةً صامتة على ضفة النهر. وبهذه الصورة بالذات افتتح الشاعر والمتصوّف جلال الدين الرومي (1207–1273) أعظم أعماله، «المثنوي»، الذي وصفه بعض الدارسين بأنه «القرآن بالفارسية» لعمق أثره في الثقافة الإسلامية.

عاش الرومي عالمًا وفقيهًا محترمًا في قونية، حتى التقى الدرويش المتجوّل شمس الدين التبريزي، فتغيّرت حياته كليًّا: صار شعرًا بعد أن كان علمًا فقط. ثم اختفى شمس فجأة، ربما قُتل، وبقي الرومي في حزنٍ عميق لم يجد له متنفّسًا إلا الشعر. ومن ذلك الفراق تحديدًا، لا من راحةٍ أو استقرار، وُلد «المثنوي»، الذي يبدأ بأنين قصبةٍ تشتكي فراقها عن أصلها:

استمع إلى هذه القصبة كيف تشكو، إنها تروي حكاية الفراق: منذ قُطعتُ من غاب القصب، أنّ في أنيني الرجال والنساء.جلال الدين الرومي · «المثنوي»، الكتاب الأول، مطلع نينامه

والقصبة في هذه الأبيات هي الإنسان نفسه: كل نفسٍ، في نظر الرومي، قُطعت يومًا عن أصلها الأول وأُرسلت إلى هذا العالم، وما الحنين الذي نشعر به جميعًا — إلى مكانٍ لا نعرف اسمه، إلى سلامٍ لم نعشه لكننا نفتقده — إلا صدى تلك القطيعة الأولى. ولهذا يقول الرومي إن أنين الناي ليس شكوى عابرة، بل حكاية كل إنسانٍ يشعر أن شيئًا في داخله أبعد من أن يبلغه هنا.

الجرح الذي يصنع اللحن

ولعلّ أعمق ما في هذه الصورة أن القصبة لا تُغنّي رغم كونها مجوّفة ومثقوبة، بل تُغنّي بسبب ذلك بالضبط. فلو ظلّت مصمتة كما كانت في الغاب، لما خرج منها صوتٌ على الإطلاق؛ وكل ثقبٍ فيها، الذي بدا جرحًا حين حُفر، صار موضع نغمة حين نُفخ فيها الهواء. وهذه استعارة الرومي عن الصبر: أن الألم الذي نظنّه نهاية الحكاية قد يكون بالضبط ما يهيّئنا لنصير صوتًا يسمعه غيرنا. ليس الصبر أن نُنكر الجرح أو ننتظر زواله بلا أثر، بل أن نسمح له أن يشكّلنا كما شكّلت الثقوب القصبة، حتى نصير قادرين على لحنٍ لم يكن ممكنًا لولا ذلك الحفر.

منمنمة فارسية تصوّر مجنون عاريًا وسط البرية محاطًا بالغزلان والثعالب والأرانب
«مجنون في البرية»، إيران، النصف الثاني من القرن السادس عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذه اللوحة، يظهر مجنون، عاشق ليلى الذي جُنّ من فراقها، عاريًا بين الوحوش في البرية، وقد صارت الغزلان والثعالب أقرب إليه من بني جنسه. وهذه هي الصورة القصوى لفراقٍ لم يُصهَر: حنينٌ خامٌ لم يتحوّل إلى شيء، فأحرق صاحبه بدل أن يضيئه. وهنا الفرق الدقيق الذي يرسمه الرومي بين الحنين المدمِّر والحنين الذي يصير طريقًا: الأول يُكابَد وحده في العراء، والثاني يُصاغ ويُروى ويُغنّى، فيتحوّل الألم فيه من نارٍ تحرق إلى نارٍ تنضج. ولهذا يقول الرومي، في الأبيات نفسها التي افتتح بها المثنوي، عبارةً تلخّص هذا الفارق:

لا يفهم حال الناضج إلا مَن نضج مثله.جلال الدين الرومي · «المثنوي»، الكتاب الأول، مطلع نينامه

فالخام، عند الرومي، هو من يريد الثمرة دون أن يمرّ بفصل النضج؛ يريد اللحن دون أن يقبل الثقب، ويريد الطمأنينة دون أن يمرّ بالفراق الذي يُعلّم قيمتها. أما الناضج فهو من صبر خلال الحفر نفسه، فخرج من طرفه الآخر لا مكسورًا بل قادرًا أن يُغنّي لغيره ممّن يمرّون بما مرّ به. وهذا ما فصّلناه من قبل في مقال الصبر حين وصفناه بأنه ثقةٌ بالفصول لا مجرّد انتظار: فالبذرة تحت التراب لا تعرف متى ستشقّ الأرض، لكنها لا تتوقّف عن التحوّل في الظلام.

لوحة رمز الموسيقى للوران دي لا هير، امرأة تعزف على آلة وترية وسط رموز موسيقية
لوران دي لا هير، «رمز الموسيقى»، 1649 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذه اللوحة، الآلات الموسيقية كلها صُنعت من موادّ خامٍ عولجت بصبر: خشبٌ نُحت، وأوتارٌ شُدّت، وقصبٌ ثُقب. لا آلة تُصنع دفعة واحدة، ولا نغمة تخرج من مادّةٍ لم تُشكَّل أولًا بصبرٍ يشبه صبر النجّار وصبر الحفّار معًا. وهذا ما يجعل تشبيه الرومي دقيقًا إلى هذا الحدّ: فهو لم يقل إن الإنسان يشبه القصبة في ألمها فقط، بل في تحوّلها أيضًا؛ فكل حزنٍ صبرنا خلاله بصدق قد يصير يومًا نغمةً يستمع إليها إنسانٌ آخر يمرّ بما مررنا به، فيشعر للمرة الأولى أنه ليس وحده.

الغناء بعد الفراق

ولم يدعُ الرومي أبدًا إلى إخفاء الحنين أو التظاهر بعدم الشعور به، بل إلى الثقة بأن هذا الحنين نفسه رسالة، لا عطب: إنه يذكّرنا بأصلٍ ننتمي إليه، ويحفظ فينا الشوق إلى شيء أكبر من يومنا الضيّق. ومن يتعلّم أن يستمع إلى أنين قصبته الخاصة دون خجلٍ أو استعجال، يكتشف أن الصبر لم يكن يومًا مجرّد تحمّل، بل استعدادًا صامتًا لتلك اللحظة التي يصير فيها الجرح نفسه هو الموضع الذي يخرج منه الصوت الأجمل، فيغنّي بما عاشه، لا رغم ما عاشه.