انظر إلى هذا الفتى وهو ينفخ فقاعة صابون: لا يملكها، ولا يستطيع أن يملكها، فهي تفنى في اللحظة نفسها التي يحاول أن يمسكها فيها. كل ما يملكه هو الفعل: النفخة، والدهشة، والابتسامة قبل أن تنفجر الفقاعة في الهواء. وهذه بالضبط هي الفكرة التي بنى عليها عالم النفس الألماني الأمريكي إريك فروم (1900–1980) واحدًا من أعمق كتبه: أن هناك طريقتين للوجود في هذه الحياة، إحداهما أن نُمضيها نجمع أشياء نُمسكها، والأخرى أن نُمضيها نعيش لحظاتٍ لا تُمسَك، بل تُعاش فحسب.
فرّ فروم من ألمانيا النازية شابًّا، وأمضى حياته يسأل سؤالًا واحدًا في صيغٍ مختلفة: لماذا يهرب الإنسان من حريته إلى القطيع، ولماذا يستبدل وجوده الحقيقي بأشياء يقتنيها ليشعر أنه موجود؟ وفي كتابه الأخير «أن تملك أو أن تكون» (1976)، ميّز بوضوح بين نمطين: نمط الامتلاك، حيث تُعرَّف قيمة الإنسان بما يملكه — ماله، لقبه، حتى معلوماته وأفكاره التي يحوزها كأشياء لا يتغيّر بها — ونمط الكينونة، حيث لا شيء يُمتلك، بل كل شيء يُعاش ويُشارَك وينمو.
الجشع والسلام يتنافيان.إريك فروم · «أن تملك أو أن تكون»، 1976
وهذه الجملة القصيرة تختصر ما فصّلناه من قبل في مقال الجوع الذي لا يشبع عن الطمع بوصفه خوفًا يلبس ثوب الرغبة: فمن يعيش في نمط الامتلاك يرى في كل إنسانٍ آخر منافسًا محتملًا على ما يريد أن يزيده إلى مخزونه، ولو كان ذلك المخزون حبًّا أو إعجابًا. وحين يصير الجميع يتنافسون على «المزيد»، لا يعود غريبًا أن تنشأ الخصومات بين الجيران، ولا الحروب بين الأمم؛ فالجشع، كما رأى فروم، لا ينتج فقط فقرًا داخليًّا، بل ينتج صراعًا خارجيًّا أيضًا، لأن ما يُقاس بالكثرة لا يكفي أبدًا إلا إذا كان أكثر ممّا عند غيرك.
وفي هذه المائدة المكتظة، كل شيءٍ فائض: فاكهةٌ أكثر ممّا يُؤكَل، وكركندٌ فوق أوانٍ فضية لامعة، ومع ذلك يشعر الناظر إليها بثقلٍ لا بشبع. وهذا بالضبط ما يصفه فروم حين يتحدّث عن نمط الامتلاك: إنه يُراكم دون أن يُشبع، لأن الأشياء — مهما كثُرت — تبقى أشياء، ثابتةً يمكن وصفها وإحصاؤها، بينما الإنسان الحيّ الذي يقتنيها يظلّ جائعًا لشيءٍ آخر لا يُوصَف. وكتب فروم موضّحًا هذا الفرق بين ما يُمتلك وما يُعاش:
الامتلاك يشير إلى الأشياء، والأشياء ثابتة يمكن وصفها؛ أما الكينونة فتشير إلى التجربة، والتجربة الإنسانية لا يمكن وصفها بالكامل.إريك فروم · «أن تملك أو أن تكون»، 1976
ولعلّ هذا ما يفسّر لماذا لا يشعر من جمع مالًا كثيرًا أنه اكتفى: فهو يقيس امتلاءه بمقياسٍ لا يقيس إلا الأشياء، بينما الفراغ الذي يحاول أن يملأه هو فراغ كينونة، لا فراغ خزانة. وهنا يلتقي فروم بما وصفناه في مقال الظلّ الذي ننكره عن يونغ وقناع الشخصية: فحين يعرّف الإنسان نفسه بما يملكه، فهو في الحقيقة يعرّف قناعه لا وجهه، لأن القناع وحده هو ما يمكن وصفه وإحصاؤه؛ أما هو، بكامل تجربته الداخلية، فيبقى دائمًا أكبر من أي شيءٍ يستطيع أن يقتنيه.
ما لا يُشترى بمال
وقبل فروم بقرون، وصف الغزالي الدواء نفسه حين تحدّث عن القناعة بوصفها غنى النفس لا غنى اليد، وهو ما فصّلناه في مقال الجوع الذي لا يشبع. والمثير أن فروم، وهو رجلٌ علمانيّ نشأ على قراءة ماركس وفرويد معًا، وصل إلى خلاصةٍ قريبة من خلاصة المتصوّفة: أن السعادة ليست فيما نضيفه إلى أنفسنا، بل فيما نتحرّر منه. وكتب فروم ذات مرّة أن الفيلسوف كارل ماركس نفسه علّم أن الترف رذيلةٌ كالفقر تمامًا، وأن هدفنا ينبغي أن يكون أن نكون كثيرًا، لا أن نملك كثيرًا — فحتى مفكّرٌ اشتُهر بنقد النظام الاقتصادي، رأى أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما راكمه.
وفي هذه اللوحة، لا شيء يلمع: ثيابٌ بسيطة، وبيتٌ متواضع، وقطةٌ نائمة عند الأقدام. ومع ذلك تشعر أمام هذه العائلة بحضورٍ لا تشعر به أمام مائدة المأدبة الفاخرة؛ فهؤلاء لا ينظرون إلى الكاميرا ليُعجَب بهم أحد، بل ببساطة موجودون معًا، في اللحظة نفسها، دون أن ينتظروا شيئًا آخر ليكتمل حضورهم. وهذا هو نمط الكينونة الذي وصفه فروم: أن نكون هنا كاملين، لا أن ننتظر ما سنملكه غدًا لنشعر أننا اكتملنا اليوم.
ويرى فروم أن أقرب اللحظات إلى هذا النمط هي لحظات لا يمكن أن تُشترى مهما دفعنا: أن نستمع فعلًا إلى صديق، أن ننغمس في عملٍ نحبّه حتى ننسى الوقت، أن نضحك ضحكةً صادقة لا تُحسَب. كل هذه لحظاتٌ لا تُصبح أكثر قيمةً لو خزّناها، بل تفقد قيمتها إن حاولنا ذلك؛ فمثل الفقاعة في اللوحة، جمالها في أنها تُعاش لا في أنها تُحفَظ. ومن يفهم هذا الفرق يكفّ عن مطاردة السعادة كأنها شيءٌ يُقتنى، ويبدأ يعيشها كأنها فعلٌ يتكرّر كل يوم.
الغنى الذي لا يُخزَّن
ولم يكن فروم يدعو إلى الفقر أو الزهد القسري، بل إلى أن نضع الامتلاك في مكانه الصحيح: أداةً تخدم الحياة، لا غايةً تُستعبَد الحياة من أجلها. فمن يملك بيتًا يسكنه أو مالًا يكفيه لا يعيش بالضرورة في نمط الامتلاك؛ الفرق ليس في كمّ ما بيدك، بل في مكان قلبك منه. وحين نتعلّم أن نفرح بما نملك دون أن نتعلّق به، وأن نستمتع بلحظةٍ دون أن نخشى انقضاءها، نكتشف غنى لا يُخزَّن في خزانة ولا يُسرَق من جيب: غنى أن نكون حاضرين تمامًا فيما نحياه، فتصير كل لحظةٍ، مهما بدت عابرة كفقاعة الصابون، كافيةً في ذاتها لتملأنا فرحًا لا يطلب المزيد.
