في كل موسم، تظهر «الموضة الجديدة» فجأة وكأن ما لبسناه الموسم الماضي صار عيبًا يجب التخلّص منه. قميصٌ ارتديناه مرّتين، وحذاءٌ ما زال جديدًا، يُصبحان فجأة قديمين لا لأنهما تلفا، بل لأن شاشةً صغيرة أخبرتنا أن هناك ما هو أحدث. وهذه ليست مصادفة: صناعةٌ كاملة تُدعى «الموضة السريعة» تعيش على أن تُبقي شهوتنا للجديد مشتعلةً دون أن تُطفأ أبدًا، وتصنع قطعًا رخيصة يُقصد لها أن تُملّ بسرعة، لا أن تدوم.
والمفارقة أن الثوب، في أصله، كان يصنعه الناس ليدوم أجيالًا: يُخاط بيدٍ صبورة، ويُرمَّم حين يتمزّق، ويُورَّث. أما اليوم فصار الثوب أقرب إلى ورقةٍ تُستهلك وتُرمى، لا لأنه بلي، بل لأن دورة الشهوة تدور أسرع من دورة القماش نفسه. ونشتري قطعةً نلبسها مرّتين أو ثلاثًا ثم تنضمّ إلى كومةٍ في الخزانة اسمها «لم أعد أحبّها»، بينما مصانع تُنتج في الأثناء أطنانًا جديدة تنتظر دورها في الكومة نفسها.
الجوع الذي صُمِّم بعناية
وهنا يفيدنا أن نتذكّر ما قاله كارل يونغ عن النفس التي تبحث في الخارج عمّا نقص في داخلها: فحين لا نشعر بالكفاية في أنفسنا، نبحث عن تلك الكفاية في مرآة، أو في ثوبٍ نظنّ أنه سيجعلنا أشخاصًا آخرين ليوم واحد. والقطعة الجديدة تمنحنا فعلًا شعورًا لحظيًّا بالتجدد — لكنه يخبو سريعًا، فنعود نبحث عن جرعةٍ أخرى. وهذا بالضبط ما تصمّمه صناعة الأزياء بعناية فائقة: ليس ثوبًا يكفينا، بل جوعًا لا ينتهي، لأن الجوع وحده هو ما يُبقي العجلة تدور.
اشترِ أقلّ، اختر جيدًا، واجعله يدوم.فيفيان وستوود
وهذه الجملة القصيرة من مصمّمة أمضت حياتها في عالم الأزياء نفسه تحمل مفارقةً لطيفة: أن من عرف هذه الصناعة من الداخل هو من نبّهنا إلى فخّها. فالحلّ الذي تقترحه ليس أن نتوقف عن اللبس أو الجمال — فالجمال حاجةٌ حقيقية للنفس، لا ترفًا يُستنكر — بل أن ننتقل من علاقة الاستهلاك السريع إلى علاقة الاختيار البطيء: قطعةٌ واحدة نحبّها فعلًا خيرٌ من عشرٍ لا نتذكّر أننا نملكها.
وتأمّل هذه اللوحة: امرأتان تتفحّصان قبعةً بعناية، تقلّبانها، تنظران إليها من كل جانب، كأنهما تتخذان قرارًا يستحق وقتًا. هذا هو الشراء كما كان قبل أن تُختصر دورته إلى نقرةٍ واحدة على شاشة: تأمّلٌ، وسؤالٌ عن الجودة، وعلاقةٌ تُبنى مع القطعة قبل أن تُشترى. أما اليوم فصارت القطعة تصل إلينا قبل أن نسأل أنفسنا حتى: هل أحتاجها حقًّا؟ أم أن شيئًا في داخلي شعر بفراغٍ صغير فحاول أن يملأه بشيءٍ من الخارج؟
وقد نُفاجأ حين نعرف أن هذا القلق من «القديم» ليس شعورًا طبيعيًّا بقدر ما هو صناعةٌ متعمّدة. فقد اعترف بعض من عملوا في تصميم دورات الموضة أن الهدف لم يكن يومًا صنع ثوبٍ يدوم، بل صنع شعورٍ بالملل يتجدد كل بضعة أسابيع، بحيث تبدو الخزانة الممتلئة فارغة أمام عين صاحبها. وهذا يشبه إلى حدٍّ بعيد ما تصنعه شاشات التمرير التي لا تنتهي: كلاهما يبيعان لا سلعةً، بل شعورًا بالنقص المتجدد، وكلاهما ينجح فقط حين ننسى أن نسأل: هل هذا النقص حقيقي، أم صُنع لي خصيصًا؟
ما وراء الرخص الظاهر
ويغري «الرخص» بأن ننسى أن لكل ثوبٍ رخيص ثمنًا مدفوعًا في مكانٍ آخر: يدٌ خيّاطة تعمل ساعاتٍ طويلة بأجرٍ زهيد، ونهرٌ يستقبل صبغةً كيميائية، وقماشٌ سينتهي في مكبٍّ بعد أشهر قليلة. ولسنا هنا في مقام الوعظ أو تحميل الفرد وحده مسؤولية صناعةٍ ضخمة، لكن يستحق الأمر أن نراه بوضوح: حين نشتري بسرعة، نصوّت دون أن ندري لصالح دورةٍ تستهلك الأرض كما تستهلك جيوبنا، بينما القرار البسيط — أن نسأل قبل الشراء: هل سأحبّ هذا بعد عام؟ — قرارٌ صغير يستعيد لنا شيئًا من زمام الاختيار.
ولعلّ أجمل ما تخبرنا به هذه العادة القديمة — عادة الاعتناء بالثوب بدل استهلاكه — أنّ اللذة الحقيقية ليست في كثرة ما نملك من الثياب، بل في العلاقة التي نصنعها مع القليل الذي نحبّه فعلًا: قميصٌ واحد يعرف قصّتنا، ومعطفٌ رافقنا في شتاءات كثيرة، وحذاءٌ تعلّم شكل خطواتنا. هذه الأشياء لا تُمَلّ، لأننا لم نشترها لنملأ فراغًا، بل اخترناها لأنها نحن. وحين نتعلّم أن نشتري هكذا — قليلًا وبمحبة — نكتشف أن الخزانة الصغيرة يمكن أن تشعرنا بغنًى لم تمنحه لنا يومًا الخزانة المكتظة بما لا نتذكّر حتى أننا نملكه.
