
في رواية «كبرياء وتحامل» (1813)، بعد ليلة الرقص الأولى في نذرفيلد، تجتمع بنات بينيت وجاراتهنّ ليتحدّثن، كما تفعل كل مجموعة أصدقاء بعد حفل، عمّن رقص مع مَن، ومَن أُعجب بمَن. وفي وسط الثرثرة، تنطق ماري بينيت — الأخت الوسطى، التي يصفها الجميع بالجدّية المفرطة وحرصها على أن تبدو “مثقفة” — بملاحظةٍ لم يطلبها منها أحد، لكنها أدقّ ما قيل في المشهد كله.
الكبرياءُ عيبٌ شائع جدًا، على ما أظنّ. وكل ما قرأته يقنعني بأنه شائعٌ حقًا؛ وأن الطبيعة البشرية عرضةٌ له بشكل خاص، وأن قلّةً منّا لا يكنّون لأنفسهم إعجابًا خفيًّا بسبب صفةٍ ما، حقيقية أو متوهَّمة. الغرور والكبرياء أمران مختلفان، وإن كانت الكلمتان تُستعملان غالبًا كمترادفتين. يمكن أن يكون المرء فخورًا دون أن يكون مغرورًا: فالكبرياء تتعلّق أكثر برأينا في أنفسنا، أما الغرور فبما نريد أن يظنّه الآخرون فينا.جين أوستن · «كبرياء وتحامل»، الفصل الخامس، 1813
ولم يُدرك أحدٌ في الغرفة قيمة ما قالته ماري، لأن الرواية نفسها تسخر منها بلطفٍ بوصفها فتاةً تحفظ الحكمة من الكتب دون أن تعيشها. لكن أوستن، عبر شخصيةٍ لا تكاد تُذكَر، وضعت تمييزًا سيظل صالحًا بعد قرنين: أن هناك كبرياءً تسكن الداخل ولا تحتاج شاهدًا، وغرورًا لا يحيا إلا أمام مرآةٍ من عيون الآخرين.
الغرور يستعير عيون الغرباء
الفرق ليس لفظيًّا فحسب. مَن يملك رأيًا هادئًا في نفسه — يعرف ما يحسنه وما يقصّر فيه، ويكتفي بذلك — لا يحتاج مَن يصفّق له كي يشعر بقيمته. أما الغرور فعكس ذلك تمامًا: صورةٌ نبنيها لا لأنفسنا، بل لعيون الآخرين، فتهتزّ كلما غاب المشاهدون أو تغيّر رأيهم فينا.

والفتاة في هذه اللوحة، التي رسمتها أمّها الفنانة إليزابيث لوبرون عام 1787 — أي قبل زمن الرواية بسنواتٍ قليلة — تجسّد هذه الحالة بدقة: تنظر في المرآة، لكنها لا تنظر إلى نفسها بقدر ما تتفقّد الصورة التي ستراها عين الناظر إليها. وهذا بالضبط ما تصفه ماري بينيت بالغرور: أن نرى أنفسنا دائمًا من زاوية الآخر، لا من زاويتنا. وكما لاحظ كارل يونغ بعد قرنٍ ونصف تقريبًا في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن كثيرًا من هذا القلق تجاه صورتنا أمام الآخرين ليس إلا خوفًا من أن يُكتشف فينا ما لا نطيق مواجهته بأنفسنا؛ فمن يفتقر إلى علاقةٍ صادقة مع ذاته، يعوّض ذلك بمراقبة انطباع الآخرين عنه، وكأن رأيهم فيه قد يمنحه ما لا يمنحه نفسه.
حين يهزّ الحبّ الكبرياء
لكن أوستن لا تكتفي بهذا التمييز النظري؛ فهي تمنحنا في السيد دارسي، بطل الرواية، مثالًا حيًّا على كبرياءٍ حقيقية — لا غرورٍ سطحي — تتعلّم أن تنحني. فدارسي رجلٌ لا يبالي كثيرًا بمن يظنّ فيه ماذا، لكنه يحمل رأيًا مبالَغًا فيه عن نفسه وعن مكانته، حتى تهزّه إليزابيث برفضها له في منتصف الرواية. وحين يعود إليها بعد أشهر، معترفًا بما تعلّمه، تكشف كلماته عن جوهر الكبرياء الحقيقية: أنها لا تُشفى بالمديح، بل بالحبّ الذي يريها نفسها كما هي فعلًا.
كنتُ كائنًا أنانيًّا طوال حياتي، في الممارسة، وإن لم يكن في المبدأ. عُلِّمتُ الصواب في طفولتي، لكن لم يُعلَّمني أحدٌ أن أهذّب طبعي. مُنحتُ مبادئ حسنة، لكن تُرِكتُ لأتّبعها في كبرياءٍ وغرور… حتى علّمتِني أنتِ، بصعوبةٍ في البداية، درسًا كان مفيدًا جدًا. بكِ تواضعتُ كما ينبغي.جين أوستن · «كبرياء وتحامل»، الفصل الثامن والخمسون، 1813
ولاحظ أن دارسي لا يقول إنه توقف عن احترام نفسه، بل إنه تعلّم أن يهذّب رأيه فيها ليتّسق مع الحقيقة، لا مع ما ورثه من دلالٍ ونسب. وهذا بالضبط ما يعد به مقال الشجرة التي تنحني بثمرها: أن التواضع ليس احتقارًا للذات، بل معرفةً صادقة بها، بلا زيادةٍ ولا نقصان.

وهذه اللوحة، لامرأةٍ منهمكة في حياكتها دون أن تلتفت إلى مَن يراقبها، تجسّد ما وصلت إليه شخصيات أوستن الناضجة في نهاية الرواية: كبرياءً هادئة، مكتفية بعملها وقيمتها، لا تحتاج جمهورًا يصفّق لها ولا مرآةً تطمئنها. هذا هو الفرق الذي رأته ماري بينيت منذ البداية، ولم يفهمه أحد حولها: أن مَن يعرف قيمته الحقيقية ينساها أمام الناس، لأنه لا يحتاج أن يتذكّرها إلا حين يكون وحده.
وربّما هذه هي أجمل مفارقات الرواية: أن الشخصية الأكثر جدّية وتصنّعًا فيها — ماري، التي تحفظ الحِكَم لتُلقيها لا لتعيشها — هي التي نطقت بأصدق سطرٍ عن الكبرياء، بينما احتاج بطل الرواية نفسه فصولًا كاملة وحبًّا صادقًا كي يتعلّم معناه فعلًا. وكأن أوستن تهمس لنا: أن نعرف الحكمة ليس أن نحفظها، بل أن نعيشها حتى تصبح جزءًا هادئًا منّا، بلا حاجةٍ لجمهور.
وللكبرياء التي تتغذّى بالمقارنة وحدها وجهٌ آخر يرويه سي. إس. لويس؛ اقرأه في مقال سباقٌ لا يفوز فيه أحد. وللداء دواءٌ ننتظره في محطةٍ قادمة من هذه الرحلة، حين نتعلّم كيف نطلب أقلّ فنصير أغنى، في مقال الجوع الذي لا يشبع.

