تمثال نصفي رخامي لبنجامين فرانكلين نحته جان أنطوان أودون
جان أنطوان أودون، «بنجامين فرانكلين»، 1778 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في الثالثة والعشرين من عمره تقريبًا، وضع بنجامين فرانكلين لنفسه مشروعًا جريئًا: أن يبلغ الكمال الأخلاقي. رسم جدولًا بثلاث عشرة فضيلة — من النظام إلى الاعتدال إلى الصدق — وخصّص لكل واحدةٍ أسبوعًا يراقب فيه نفسه، ويضع نقطةً سوداء صغيرة كل مرة يخطئ فيها. كان الرجل الذي سيصير لاحقًا أحد مؤسّسي أمة كاملة يقضي مساءه يحصي زلّاته في دفترٍ جلديّ صغير، بصبر محاسبٍ لا يكلّ.

وكانت قائمته الأولى اثنتي عشرة فضيلة فقط. حتى جاءه صديقٌ من طائفة الكويكرز ذات يوم، وقال له بصراحةٍ لا تجامل: إن الناس يرونه متكبرًا، وإن كبرياءه تظهر كثيرًا في أحاديثه. فأضاف فرانكلين فضيلةً ثالثة عشرة، اعترافًا بحقيقةٍ لم يكن يحب أن يراها: التواضع.

ليس من عواطفنا الطبيعية ما يصعب إخضاعه مثل الكبرياء. مهما تنكّرت له، وصارعته، وقمعته، وأذللته، يبقى حيًّا، ويطلّ برأسه بين الحين والآخر؛ فحتى لو تصوّرت أنني تغلّبت عليه تمامًا، لظللت على الأرجح فخورًا بتواضعي.بنجامين فرانكلين · «السيرة الذاتية»

وهذه الجملة الأخيرة تحديدًا هي التي تجعل فرانكلين مختلفًا عن كثيرين ممن كتبوا عن الكِبْر. فهو لا يعد القارئ بأنه هزم رذيلته، بل يعترف، بسخريةٍ خفيفة من نفسه، أن الكبرياء أذكى من أن تُهزم هزيمةً نهائية. إنها، كما رأينا في مقال الشجرة التي تنحني بثمرها، تعرف كيف تغيّر قناعها في اللحظة التي نظن فيها أننا خلعناه أخيرًا.

حين ينتصر القناع بتغيير شكله

ولاحظ فرانكلين هذا بنفسه: أنه كلما ظنّ أنه أخفى كبرياءه، وجدها قد عادت من باب آخر، متنكرةً هذه المرة في ثوب الفضيلة نفسها. وهذا ما وصفناه في مقال الشجرة التي تنحني بثمرها بلغة «القناع والظل»: ما نرفض أن نراه في أنفسنا لا يختفي، بل يبحث له عن قناعٍ جديد، وأحيانًا يكون أخطر الأقنعة قناع التواضع المصطنع. ولهذا كتب كارل يونغ، بعد فرانكلين بقرن ونصف، في مقال الظلّ الذي ننكره، عن هذه الحيلة بالذات: أن الظلّ الذي ننكره لا يُهزم بالإنكار، بل يزداد قوةً كلما ابتعدنا عن مواجهته بصدق.

منمنمة فارسية تصوّر اجتماع الطيور من كتاب منطق الطير، حبيب الله الساوجي، نحو 1600
حبيب الله الساوجي، «اجتماع الطيور»، ورقة من «منطق الطير»، نحو 1600 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وتذكّرنا هذه المنمنمة الفارسية بحكاية الطيور القديمة، حين اجتمعت كلها لتبدأ رحلةً نحو الحقيقة، فاعتذر كل طائرٍ منها بعذرٍ يخصّه، وكان عذر بعضها كِبرًا متخفيًا في زيّ حكمةٍ أو جمال. فكل طائرٍ في تلك الحكاية كان يحمل قناعه الخاص، تمامًا كما يحمل كل واحدٍ منا قناعًا يظنّه فضيلة، بينما هو، إن دقّقنا، خوفٌ آخر من الاعتراف بالنقص. ولم يكن حل فرانكلين أن يكفّ عن مراقبة نفسه يأسًا، بل أن يراقبها بلطفٍ أكبر، عارفًا أن المراقبة نفسها لن تنتهي أبدًا إلى نقطةٍ يقول عندها: انتهيت.

مقياسٌ لا ينافس أحدًا

ولما أضاف فرانكلين فضيلة التواضع إلى قائمته، لم يكتب لنفسه قاعدةً قاسية كـ«لا تتكلم عن نفسك» أو «احتقر آراءك». كتب جملةً أبسط وأعمق من ذلك:

التواضع: تشبّه بيسوع وسقراط.بنجامين فرانكلين · «السيرة الذاتية»، قائمة الفضائل الثلاث عشرة

ولم يكن يقصد بهذا وعظًا دينيًا، بل اختار عمدًا نموذجين لا يمكن أن يُقاسا بميزان الناس العاديين: معلّمًا روحيًا ومعلّمًا فيلسوفًا، كلاهما اشتهر بطرح الأسئلة أكثر من فرض الأجوبة. وهذا هو مفتاح الحيلة: حين يقيس الإنسان نفسه بجاره، تولد المقارنة، وتولد معها إما الكبرياء أو الحسد. أما حين يقيس نفسه بمثالٍ أعلى من أن يُنافَس، فإن المقارنة تتحوّل إلى إلهامٍ هادئ، لا إلى سباقٍ يخسره أحد الطرفين دائمًا. وهذا بالضبط ما يعد به التواضع في مقال ثقلٌ نحمله باسم الكمال: أن نضع العصا التي نقيس بها أنفسنا جانبًا، فنتّسع بدل أن نصغر.

ساعة مكتبية بتقويم من صنع دانيال ديلاندر، إنجلترا، نحو 1720
دانيال ديلاندر، «ساعة مكتبية بتقويم»، نحو 1720 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ولهذا كان فرانكلين يفتتح كل يومٍ بسؤالٍ واحد يكتبه في جدوله الصباحي: «أيّ خيرٍ سأفعله اليوم؟»، ويختمه مساءً بسؤالٍ يقابله: «أيّ خيرٍ فعلته اليوم؟». لاحظ أن السؤال لم يكن أبدًا: هل تفوّقت على جاري؟ ولا: هل أُعجب بي الناس؟ كان السؤال موجّهًا إلى الداخل فقط، إلى مسافةٍ بين ما كان ممكنًا وما تحقق فعلًا، لا بين شخصٍ وآخر. وهذه الساعة، بعقاربها الهادئة، تصلح رمزًا لهذا النوع من المحاسبة: لا تتوقف لتقارن نفسها بساعةٍ مجاورة، بل تمضي في دورتها الخاصة، يومًا بعد يوم، بلا استعجال ولا تباهٍ.

والأجمل في تجربة فرانكلين أنه لم يخفِ فشله في بلوغ الكمال، بل كتب عنه بابتسامة: يعترف أنه ظلّ، حتى شيخوخته، بعيدًا عن إتقان فضيلة التواضع تمامًا، لكنه يضيف أنه استفاد من مجرد المحاولة أكثر مما توقّع. فقد صار أهدأ في النقاش، وأكثر انفتاحًا على رأي غيره، وأقلّ تمسكًا برأيه الخاص إلى درجة العناد. لم يكن النصر الكامل هو الهدف إذن، بل الاتجاه: أن نمشي نحو التواضع، لا أن نصل إليه ونعلن الوصول، لأن إعلان الوصول نفسه، كما علّمنا فرانكلين بمرحه المعروف، قد يكون آخر أقنعة الكبرياء وأكثرها إتقانًا.

وربما كانت هذه أصدق هدية تركها لنا فرانكلين: أننا لسنا مطالَبين أن نطارد كمالًا لا نبلغه، بل أن نراقب أنفسنا كل مساء بعينٍ صادقة لا قاسية، ونبتسم حين نجد الكبرياء قد عادت من باب جديد، ونعيد فتح الدفتر من جديد في الصباح. فالمراقبة اللطيفة نفسها، لا الانتصار النهائي، هي ما يجعل القلب أخفّ يومًا بعد يوم، حتى يصير — كالشجرة التي تنحني بثمرها — أثقل بما أعطى، لا بما ادّخر لنفسه من فخر.

وإن أردت أن ترى الوجه الآخر لهذه الكبرياء، حين تتغذّى بالمقارنة وحدها بدل أن تُخفى وراء فضيلةٍ مزعومة، ستجده في مقال سباقٌ لا يفوز فيه أحد، حيث يشرح سي. إس. لويس لماذا لا تقنع الكبرياء أبدًا مهما ربحت.

وإن أردت أن تتابع خيط الرحلة أبعد قليلًا، فمن الكبرياء التي تخاف أن تُرى صغيرة إلى الطمع الذي يخاف أن يملك أقل من غيره مسافةٌ قصيرة؛ اقرأ عنها في مقال الجوع الذي لا يشبع.