لوحة رجلان يتأملان القمر لكاسبار دافيد فريدريش
كاسبار دافيد فريدريش، «رجلان يتأملان القمر»، نحو 1825–1830 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

من أقدم حِيَل النفس البشرية أنها حين تشعر بالصِغَر تنتفخ. الطاووس لا ينشر ريشه حين يكون وحده، والإنسان لا يتكبّر إلا حين يخاف ألا يُرى. لهذا قال الحكماء قديمًا وحديثًا كلامًا يكاد يتطابق: الكِبْر ليس فائضَ قوة، بل نقصَ طمأنينة. وما يجعله خطيرًا أنه أذكى من أن يقدّم نفسه باسمه. فهو نادرًا ما يقول «أنا خائف»، بل يقول «أنا فوق هذا». وتحسبها الروح انتصارًا، وهي في الحقيقة هزيمةٌ متنكرة.

عمودٌ مستعار

من أجمل ما قيل في هذا الباب تفريقُ الفنان والمفكر بروس لي بين الكبرياء وتقدير الذات. فالكبرياء عنده يستمدّ قيمته من أشياء خارج الإنسان — لقبٍ أو مالٍ أو مديحِ الناس. أما تقدير الذات فينبع من الداخل، من قدراتنا الحقيقية وما أنجزناه فعلًا.

إنه يتحوّل عن ذاتٍ لا تعِده بشيء، ليندفع في طلب الكبرياء، ذلك البديل المتفجّر عن تقدير الذات.بروس لي · مقالة «الحالة النفسية المتّقدة»

والفرق هنا حاسم. من بنى قيمته على عمودٍ خارجيّ صار أسيرَ حراسته، يرتجف كلما اهتزّ ذلك العمود. ولعل هذا يفسّر لماذا يكون المتكبر أكثرنا هشاشةً من الداخل، فهو يدافع ليل نهار عن صورةٍ يعرف، في سرّه، أنها أكبر من حقيقته.

حفر «الكبرياء» من سلسلة الرذائل لهاينريش ألدغريفر
هاينريش ألدغريفر، «الكبرياء»، من سلسلة «الرذائل»، 1552 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

القناع والظل

يسمّي علمُ النفس التحليلي هذه الحيلة بدقة. فهناك “القناع” الذي نعرضه على العالم، وهناك “الظل” الذي ننكره في أنفسنا لأنه لا يليق بالصورة التي اخترناها. والكبرياء هو القناع حين ينتفخ عمدًا، ليغطي ظلًّا من الشعور بالنقص لا نجرؤ على مواجهته. والمفارقة أن ما نخفيه عن أنفسنا لا يختفي، بل يُسقَط على الآخرين: فيرى المتكبر في كل من حوله منافسًا يهدد مكانته، لأنه ينظر إليهم من خلال خوفه هو، لا من خلال حقيقتهم. ومن هنا يبدأ العلاج دائمًا، لا بمحاربة القناع، بل بالتصالح مع الظل الذي يختبئ خلفه.

حفر «الكبرياء» من سلسلة الخطايا السبع المميتة بعد بروغل الأكبر
پيتر فان دير هايدن، بعد بيتر بروغل الأكبر، «الكبرياء (Superbia)»، من سلسلة «الخطايا السبع المميتة»، 1558 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

الكِبْر يُعمي

ورأت الرسّامة أغنس مارتن، التي تشرّبت حكمة الشرق، أن الكبرياء غطاءٌ يوضع على العقل. فهو يحجب عنا رؤية أخطائنا فلا نتعلم، ويحجب عنا جمالَ الآخرين فلا نحب، بل يحجب عنا حتى فرحنا البسيط، لأنه لا يليق، في ظننا، بمقامنا المتخيَّل. والأجمل أنها لاحظت العكس أيضًا: أن كل سقوطٍ صغير للكبرياء يعقبه شعورٌ عجيب بالحرية والفرح، كأن حجرًا أُنزل عن الصدر.

وبالطبع، مع كل سقوطٍ صغير للكبرياء، نشعر بخطوةٍ هائلة إلى الأمام في الحرية والفرح.أغنس مارتن · كتاباتها (Writings)

وقبل أغنس مارتن بقرون، وصل أبو حامد الغزالي إلى ملاحظة قريبة من طريق مختلف تمامًا. فقد وضع الكِبْرَ في مقدّمة ما سمّاه أمراض القلوب، وشخّصه تشخيص طبيب: المتكبر يرى لنفسه على غيره فضلًا، وهذه الرؤية وهمٌ يحتاج إلى علاج بالمعرفة والعمل معًا. أما المعرفة فأن يعرف الإنسان أصله ومآله؛ فقد جاء إلى الدنيا لا يملك شيئًا، وسيغادرها كذلك، فمن أين للطينِ فخرُه؟ وأما العمل فبالمخالفة: أن يفعل عمدًا ما يكرهه كِبْرُه، فيخدم بيده، ويجلس حيث اتفق، ويقول «لا أعرف» حين لا يعرف.

ولاحِظ اللطف في نظرة الصوفية هنا: الكِبْر عندهم مرضٌ لا جريمة، والمريض يُداوى ولا يُدان. فحتى المتكبر يستحق الرحمة، لأنه في العمق خائفٌ يحرس فراغًا. وهذا بالضبط ما تصفه لغة الظل: لسنا مطالَبين أن نكره الجزء الخائف فينا، بل أن نعرفه ونضمّه، فيخفّ عن كاهله عبءُ التمثيل.

الكِبْر في زمن الواجهة

ولعل عصرنا اخترع للكِبْر مسرحًا لم يعرفه الغزالي ولا فريدريش: شاشةٌ صغيرة نعرض عليها أفضل لحظاتنا، وننتظر عليها عدّاد إعجابٍ يخبرنا كم نساوي. والخطر هنا ليس في الرغبة بأن نُرى، فهذه رغبةٌ إنسانية قديمة قدم الطاووس. الخطر أن نصدّق الواجهة أكثر مما نصدّق أنفسنا، فنبني كِبْرًا هشًّا على أساسٍ أهشّ منه: رأي غرباء لا يعرفوننا. وكل مرة يهتزّ فيها ذلك الأساس، يهتز معه شعورنا كله بمن نكون. وهذا بالضبط ما حذّر منه بروس لي في بداية المقال: أن نبني قيمتنا على عمودٍ لا نملكه.

والعلاج ليس الانسحاب من العالم، ولا كراهية الرغبة في التقدير. العلاج هو نقل مصدر الميزان من الخارج إلى الداخل: أن نسأل أنفسنا، لا الآخرين، هل أحسنّا اليوم أم لا. ومن فعل ذلك تحرّر من عدّادٍ لا يشبع أبدًا، ووجد أن الطمأنينة التي كان يبحث عنها في نظرات الناس كانت طوال الوقت بين يديه.

كرامةٌ بلا انتفاخ

وحتى لا نسيء الفهم: ليس علاجُ الكِبْر أن نمشي محنيّي الرؤوس، ولا أن نستبدل قناعًا متضخمًا بقناعٍ منكمش. فالتواضع ليس احتقارًا للذات، بل معرفةٌ بها على حقيقتها: لا أكبر ولا أصغر. والشجرة المثمرة تنحني بثمرها، ولا ينقص ذلك من طولها شيئًا؛ بل إن الانحناء نفسه دليلُ أنها أثمرت. والكرامة الحقيقية هادئة، لا تحتاج إلى إعلان، مثل النهر العميق: صامتٌ لأن عنده ما يكفيه.

وثمة فرقٌ لطيف بين أن نصغر وأن نتّسع. الأول انكماش، والثاني ثقة. ومن عرف الفرق بينهما لم يعد يخاف أن يُرى صغيرًا، لأنه صار يقيس نفسه بميزانٍ داخلي لا بمرآة الآخرين. عندها فقط تصبح الشجرة أكثر جمالًا وهي محمّلة بثمرها، منحنية نحو الأرض التي أنبتتها، لا لأنها ضعفت، بل لأنها امتلأت.

وربما كانت هذه أصدق علامة نميّز بها القوةَ الحقيقية من تمثيلها: القوةُ الحقيقية لا تحتاج من يصفّق لها. تعمل في صمت، وتثمر في صمت. وحين ينحني غصنها، لا يكون ذلك سقوطًا، بل امتلاءً معلَنًا لا يخجل من نفسه. والرجلان في لوحة فريدريش، واقفان صغيرين تحت قمرٍ هائل، لا يبدوان مهزومين أمام هذا الاتساع؛ بل يبدوان، للمرة الأولى، على مقاسهما الحقيقي، لا أكبر مما هما ولا أصغر. وفي ذلك المقاس بالذات، لا في تضخيمه، تبدأ الراحة.

وإن أردت أن تتابع خيط الكبرياء هذا أبعد قليلًا، ستجد امتدادًا جميلًا له في مقال شراعٌ امتلأ بالريح فلم يتحرك، حيث تصف الرسّامة أغنس مارتن الكبرياء بمرساةٍ تُبقي سفينتنا في مكانها رغم أن شراعها امتلأ بالريح.

وثمة قراءة إنجليزية لهذا الميزان الداخلي نفسه، كتبها سي. إس. لويس بعد الغزالي بقرون: أن الكبرياء وحدها من بين كل الرذائل لا تقنع أبدًا، لأنها لا تقيس نفسها بما نملك، بل بمن نتفوّق عليه. تجد هذه القراءة كاملةً في مقال سباقٌ لا يفوز فيه أحد.

ومن أراد أن يرى النقيض الحيّ لهذه الكبرياء، يجده في مقال كل ما أعرفه أنني لا أعرف، حيث يفتح سقراط الباب على تواضعٍ يبدأ بالاعتراف بالجهل لا بإخفائه.

ومن أراد أن يرى كيف تتقن الكبرياء تغيير قناعها حتى في لحظة انتصارنا عليها، يجده في مقال فخورٌ بتواضعي، حيث يروي بنجامين فرانكلين كيف راقب كبرياءه سنواتٍ طويلة، ليكتشف أن الانتصار الكامل عليها قد يكون آخر أقنعتها.

وثمة قراءةٌ روائية لهذا التمييز نفسه، بين الكبرياء والغرور: أن الأولى رأيٌ نحمله عن أنفسنا، والثاني صورةٌ نحملها لعيون الآخرين. تجد هذه القراءة في مقال كبرياءٌ لا يحتاج جمهورًا، حيث تكشف جين أوستن، عبر شخصيةٍ ثانوية في روايتها، أن الكبرياء الحقيقية لا تحتاج جمهورًا يشهد عليها.