
في عام 1972، جلست الرسّامة الأمريكية أغنس مارتن مع صديقتها الفنانة آن ويلسون، وأملت عليها مقالًا قصيرًا بعنوان «العقل غير المضطرب». لم تكن مارتن، صاحبة اللوحات الشهيرة المكوّنة من خطوطٍ وشبكاتٍ رفيعة تتكرّر بصبرٍ يكاد يكون صلاة، تتحدّث عن تقنية الرسم. كانت تتحدّث عن شيءٍ أعمق بكثير: عن العدوّ الحقيقي الذي يمنعنا من رؤية الجمال، ومن التحرّك في حياتنا أصلًا. وقد لخّصت ذلك كله في صورةٍ واحدة قوية:
الخوف هو المرساة، والعادة هي السلسلة، والأشباح تتربّص على السطح، والشراع امتلأ بالكبرياء فلا تتحرّك السفينة.أغنس مارتن، «العقل غير المضطرب»، 1972
تخيّل المشهد: سفينةٌ تقف في الميناء، شراعها منتفخٌ بالكامل، والريح تدفعه بكل قوتها، لكنها لا تتحرك قيد أنملة. لماذا؟ لأن مرساةً ثقيلة تشدّها إلى القاع. هذه، كما رأتها مارتن، هي حال أكثرنا: نملك كل أسباب الانطلاق — موهبة، وقتًا، فرصة — لكن كبرياءً خفية تُبقينا مكاننا، تمامًا كما يُبقينا الخوف الذي لا نعترف به.
الكبرياء التي تُعمي قبل أن تُؤلم
وتذهب مارتن أبعد من ذلك في وصف كيف تعمل هذه الكبرياء بالضبط. فهي لا تُضعفنا فحسب؛ إنها تُعمينا عن كل شيء آخر سوى نفسها:
حين تستحوذ الكبرياءُ على عقولنا، فإنها تدمّر كل ما نراه، لأن الكبرياء لا تعترف إلا بنفسها.أغنس مارتن، «العقل غير المضطرب»، 1972
وهذا بالضبط ما تحدّثنا عنه حين تناولنا الظلّ الذي ننكره: أن الكبرياء نادرًا ما تشعر بنفسها ككبرياء؛ إنها تُقنعنا دائمًا بأنها ثقة، أو معيار، أو حقّ. ولأنها لا تعترف إلا بنفسها، فهي تُقصي كل ما قد يزعزعها — نصيحة، أو خطأ، أو حتى جمال بسيط لا نستطيع تفسيره. وكما يذكّرنا يونغ بأن الظلّ يكبر كلما أنكرناه، تذكّرنا مارتن بأن الكبرياء تكبر كلما ظننّا أننا في مأمنٍ منها.

الجمال حين تختفي الأنا
لم تكتفِ مارتن بتشخيص الداء؛ فقد أمضت حياتها كلها تبحث عن الدواء. وفي مقالتها الأخرى «الجمال سرّ الحياة» (1989)، تصف الجمال بأنه ليس شيئًا نراه بالعين، بل وعيًا يحدث في العقل حين يتنحّى عن طريقه: إدراكًا للكمال يسكن الذهن، لا صورةً تلتقطها الشبكية. ولهذا رسمت مارتن، لعقودٍ طويلة، الشيء نفسه تقريبًا: خطوطًا متوازية، شبكاتٍ رفيعة، مساحاتٍ فارغة تتكرّر بصبرٍ لا يطلب اعترافًا من أحد.
لم تكن ترسم لتُثبت شيئًا عن نفسها؛ كانت ترسم لتُفرغ نفسها من كل ما قد يقف بينها وبين تلك اللحظة الهادئة من الوعي. وهذه الصفحة القرآنية المذهّبة، بزخرفتها الهندسية الدقيقة التي لا تحمل توقيع صانعها، تجسّد الروح نفسها: نمطٌ متكرّر يخدم نظامًا أكبر من الأنا التي رسمته، تمامًا كما أرادت مارتن لخطوطها أن تخدم صمتًا أكبر منها.
سفينةٌ تتحرك أخيرًا
والخبر الجميل في كلام مارتن أنها لم تترك الأمر عند وصف المرساة؛ فقد كتبت أيضًا أن هناك لحظاتٍ تُرفع فيها المرساة، لحظاتٍ نتعلّم فيها كيف نتحرّك بحريةٍ، دون أن يُثقلنا الكبرياء والخوف. وهذا يشبه تمامًا ما تحدّث عنه بروس لي حين وصف الماء الذي يهزم الصخر: أن القوة الحقيقية ليست في التصلّب والتشبّث بشكلٍ واحد، بل في التخلّي عن الحاجة إلى أن نكون شيئًا بعينه أمام الآخرين.

وربما هذا كل ما تطلبه منّا الكبرياء أن نفعله: أن نرفع المرساة قليلًا، لا أن نغرق السفينة. فحين نقول «لا أعرف»، أو نعترف بخطأ، أو نضحك من أنفسنا بدل أن ندافع عنها، لا نخسر شيئًا حقيقيًا؛ نخسر فقط ثقل ذلك الحديد الذي كان يمنعنا من التحرّك أصلًا. وفجأة، دون أن نغيّر الريح ولا الشراع، تتحرّك السفينة أخيرًا نحو ذلك البحر الهادئ الذي كانت تستحقّه طوال الوقت.

