
في قاعات باريس وصالوناتها خلال القرن السابع عشر، حيث يتنافس النبلاء على حظوةٍ في نظر الملك، رصد العالم والمفكر الفرنسي بليز باسكال ظاهرةً لم تكن تخصّ طبقةً دون أخرى. فالكبرياء، كما رآها، لا تُميّز بين صاحب لقبٍ وعامل يومٍ بيومه؛ إنها تسكن الجميع على السواء، وتطلب منهم الشيء نفسه: أن يُرَوا. وقد دوّن باسكال ملاحظته هذه في أوراقٍ متناثرة جُمعت بعد وفاته تحت عنوان «خواطر» (Pensées)، بجملةٍ لم تفقد لسعتها بعد أربعمئة عام:
الكبرياء راسخةٌ في قلب الإنسان إلى حدّ أن الجنديّ، وخادم الجنديّ، والطبّاخ، والحمّال، يتفاخر ويريد مُعجبين. وحتى الفلاسفة يريدونهم. والذين يكتبون ضدّ هذا يريدون مجد الإحسان في الكتابة، والذين يقرؤون ما كتبوه يريدون مجد القراءة. وأنا الذي أكتب هذا، ربما عندي هذه الرغبة، وربما من سيقرؤه.بليز باسكال · «خواطر» (Pensées)، القطعة 150
ولاحِظ الطريقة التي ينهي بها باسكال ملاحظته: لم يقف خارج الظاهرة يشير إليها بإصبعه، بل أدخل نفسه فيها. فهو لا يكتب عن الكبرياء من عليائها، بل من داخلها، معترفًا أن فعل الكتابة نفسه قد يكون صورةً أخرى من صور الرغبة ذاتها في أن يُرى، أن يُقرأ، أن يُعجَب به. وهذه الصراحة بالذات هي ما يمنح ملاحظته وزنها: فهو لا يدين أحدًا من موقع الطهارة، بل يشخّص داءً هو نفسه مصابٌ به، مثل بقية بني آدم.
حياةٌ نعيشها في مكانٍ آخر

ولم يكتفِ باسكال بوصف اتساع الظاهرة؛ بل تتبّع جذرها إلى مكانٍ أعمق. فالمشكلة عنده ليست الرغبة في التقدير وحدها — فهذه رغبةٌ إنسانية لا عيب فيها — بل أننا، سعيًا وراءها، نستبدل حياتنا الحقيقية بحياةٍ أخرى موازية، نعيشها لا في أنفسنا بل في أذهان من حولنا:
لا نكتفي بالحياة التي فينا، في كياننا الحقيقي؛ بل نريد أن نحيا حياةً متخيَّلة في ذهن الآخرين، ومن أجل ذلك نجتهد لنلمع. نعمل بلا كللٍ على تزيين تلك الحياة المتخيَّلة والحفاظ عليها، ونهمل الحياة الحقيقية.بليز باسكال · «خواطر»، القطعتان 147–148
وهذه بالضبط هي الحيلة التي يتحدث عنها علم النفس التحليلي حين يصف «القناع» — تلك الصورة التي نصنعها لنعرضها على العالم، والتي قد تكبر شيئًا فشيئًا حتى تحلّ محلّ صاحبها. فمن ينفق عمره على صيانة صورته في أذهان الآخرين، لا يعود يعرف، بعد حين، أين ينتهي القناع وأين يبدأ الوجه الحقيقي تحته. وكما تحدّثنا في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن كل طاقةٍ تُصرَف على تلميع الواجهة، تُسحَب من رصيد التصالح مع الذات كما هي، بعيوبها وحقيقتها.
المرآة التي يحملها الآخرون

وثمة فرقٌ يستحق التوقف عنده بين المرآة التي نحملها بأيدينا والمرآة التي يحملها الآخرون. الأولى صادقة: تعكس الوجه كما هو، دون تحسينٍ أو تجميل. أما الثانية — أحكام الناس، نظراتهم، عدد المعجبين — فمرآةٌ متقلّبة، تتغيّر بتغيّر مزاج من يحملها، ولا تعكس الحقيقة بقدر ما تعكس ما يريد صاحبها أن يراه. ومن بنى تقديره لذاته على هذه المرآة الثانية، عاش عمره رهينة يدٍ ليست يده، تهتزّ كل مرة يهتزّ فيها مزاج تلك اليد.
وباسكال نفسه، بعد سنواتٍ من الانغماس في صخب باريس العلمي واللامع، اختار طريقًا مختلفًا: انسحب إلى دير بور-رويال، بعيدًا عن الأضواء التي وصف افتتاننا بها، ليقضي ما تبقّى من عمره القصير في تأمّلٍ لم يكن يطلب له جمهورًا. ولم تُنشر «خواطره» في حياته أصلًا، بل جُمعت من أوراقٍ متناثرة بعد موته. وهذا وحده يستحق التأمّل: أن أدقّ من شخّص داء الرغبة في أن نُرى، اختار في النهاية أن يكتب لنفسه، لا لجمهور.
وهذا هو بالضبط الميزان الداخلي الذي وصل إليه مقال الشجرة التي تنحني بثمرها: أن نقيس أنفسنا بمعيارٍ من عندنا لا بمرآةٍ متقلّبة بيد غيرنا. ومن فعل ذلك، لم يعد يحتاج حمّالًا ولا فيلسوفًا يشهد له، لأنه صار شاهد نفسه الوحيد الذي يثق به. وهذا بالضبط ما يفتح باب التواضع الذي مررنا به في مقال أن نقول ‹لا أعرف› فنتّسع — لا إنكارًا للذات، بل راحةً من عبء تمثيلٍ لا ينتهي أمام جمهورٍ نتخيّله أكثر مما يرانا فعلًا.
ومن أراد أن يرى صورًا أخرى لهذا الكِبْر الذي يحتاج جمهورًا ليكتمل، يجدها في مقال سباقٌ لا يفوز فيه أحد، حيث يرى سي. إس. لويس أن الكبرياء لا تقنع أبدًا لأنها تقيس نفسها بمن نتفوّق عليه لا بما نملك؛ أو في مقال فخورٌ بتواضعي، حيث يروي بنجامين فرانكلين كيف راقب كبرياءه سنواتٍ طويلة فاكتشف أن الانتصار الكامل عليها قد يكون آخر أقنعتها. ومن أراد أن يتابع خيط هذه الرغبة في اللمعان إلى وجهٍ آخر لها، سيجدها منتظرةً في محطتنا القادمة من الرحلة، في مقال الجوع الذي لا يشبع، حين يتحوّل الطلب من إعجاب الناس إلى طلب ما لا ينتهي من كل شيء.

