
في قرطاج، حيث “غلت حوله مراجل الحبّ الآثمة” كما وصف هو نفسه لاحقًا، عاش أوغسطينوس شبابه غارقًا في الملذّات، يعرف أن ثمة طريقًا أهدأ يناديه ولا يملك بعد الشجاعة ليسلكه. كان يصلّي — وهذا أغرب ما في الأمر — لكنّ صلاته لم تكن صلاة رجلٍ يطلب التغيير فورًا، بل صلاة رجلٍ صادقٍ مع رغبته حدّ الإحراج. في كتابه “الاعترافات”، يروي لنا بنفسه ماذا كان يقول لله في تلك الليالي:
أعطني العفّة والزهد، ولكن ليس الآن.أوغسطينوس، الاعترافات، الكتاب الثامن
ولم يكتب أوغسطينوس هذه الجملة تبريرًا لنفسه، بل فضيحةً لنفسه: فقد كان يخاف، كما يعترف صراحة، أن تُستجاب صلاته بسرعةٍ أكبر مما يحتمل، “لأنه كان يريد أن يُشفى من مرض الشهوة لا أن يُطفأ تمامًا”. وهذا الاعتراف، على غرابته، أصدق من ألف صلاةٍ منمّقة: فهو لا يدّعي رغبةً في الفضيلة لا يملكها، بل يكشف الصراع كما هو، بلا رتوش، بين جزءٍ فيه يريد النور وجزءٍ آخر لا يزال متعلّقًا بالظلّ الدافئ.
حين تكون الرغبة صادقة أكثر من نُبل الكلام
وهذه الصدمة اللطيفة هي بالضبط ما يجعل أوغسطينوس قريبًا منّا رغم المسافة الزمنية: فكم مرّةً قلنا نحن أيضًا، بصيغةٍ أو بأخرى، “سأبدأ حميتي غدًا”، أو “سأترك هذه العادة الأسبوع القادم”، أو “سأقول الحقيقة في المرة القادمة”؟ لسنا كاذبين في هذه اللحظات، بل صادقين بشكلٍ مؤلم: نريد الخير فعلًا، لكننا لسنا مستعدّين بعد لدفع ثمنه. والخطأ ليس في هذا التردد نفسه، فهو جزءٌ إنسانيّ من كل تحوّل، بل في أن نظنّ أنفسنا فاشلين لمجرد أننا لم نصل إليه دفعة واحدة.

وقد أدرك أوغسطينوس نفسه، بعد سنواتٍ من هذا الصراع، أن المشكلة لم تكن في الرغبة كطاقة، بل في وجهتها. فالقلب، كما رآه، لا يعرف السكون إلا حين يجد الشيء الذي خُلق من أجله، وكل ما دون ذلك — مهما بدا حلوًا في لحظته — يترك القلب أكثر عطشًا لا أقل. وهذا ما دفعه إلى كتابة الجملة التي تفتتح كتابه كله، والتي صارت من أشهر ما قيل عن طبيعة الرغبة البشرية:
خلقتنا لنفسك يا ربّ، وقلوبنا لا تهدأ حتى تستريح فيك.أوغسطينوس، الاعترافات، الكتاب الأول
ولا يعني هذا أن كل رغبةٍ أرضية خطأ، كما لا تعني نار الموقد التي ذكرناها في مقال حصانٌ نمتطيه لا يمتطينا أن النار شرٌّ في ذاتها. بل يعني أن القلق الذي نشعر به حين نلاحق لذّةً بعد أخرى، ولا نصل أبدًا إلى الشبع الذي وعدتنا به، ليس عطبًا فينا، بل إشارةً صادقة إلى أن الرغبة نفسها أكبر من أن يملأها أي شيءٍ عابر. القلب المشتعل في هذه اللوحة القديمة ليس رمزًا للحرمان، بل للرغبة وقد وجدت أخيرًا الاتجاه الذي لا يُطفئها بل يهدّئها.
حنينٌ يشبه أنين الناي
وفي هذا المعنى بالذات، يلتقي أوغسطينوس بصوتٍ آخر بعيدٍ عنه في الزمان والمكان: جلال الدين الرومي، الذي افتتح “المثنوي” بصورة الناي المقطوع من غابته، يئنّ حنينًا لا لأنه يشتكي، بل لأن أنينه هو موسيقاه. وكما تأملنا في مقال القصبة التي تئنّ، فإن الحنين والرغبة ليسا عيبًا يُخجَل منه، بل طاقةً تنتظر أن تُوجَّه إلى أصلها. فالرومي يسمع في القصبة أنينًا يشبه أنين القلب المشتاق إلى أصله، وأوغسطينوس يسمع في قلقه هو نفسه أنين قلبٍ لم يجد بعد موضع راحته. وكلاهما يقول، بلغته الخاصة: لا تكبت الحنين، بل اسأله إلى أين يقودك فعلًا.
وهذا هو الفرق الدقيق الذي يستحق أن نتوقف عنده: أن نكفّ عن معاملة الرغبة كعدوٍّ يجب إخماده، ونبدأ بمعاملتها كبوصلة يجب أن نقرأها بصدق. فحين تشتعل رغبةٌ فينا ولا نجد لها راحة مهما لاحقناها، فهذا ليس دليلًا على أننا بحاجة إلى لذّةٍ أكبر، بل على أننا نبحث في المكان الخطأ. ومن يتعلّم أن يقرأ حنينه بدل أن يهرب منه أو يستسلم له بلا وعي، يجد أن الطريق إلى السكينة أقصر ممّا كان يظن.

وربما هذا ما يجعل قصة أوغسطينوس عزاءً لا إحراجًا: فهو لم يصل إلى السكينة بقفزةٍ واحدة نظيفة، بل بسنواتٍ من الصلاة الصادقة الناقصة، “أعطني… ولكن ليس الآن”، حتى نضجت الرغبة نفسها ووجدت طريقها. والبحر الهائج في مطلع هذا المقال لا يُطلب منه أن يهدأ دفعة واحدة، بل أن يواصل جريانه نحو الشاطئ الذي يليق به، وهذا وحده يكفي: أن نعرف إلى أين يجري حنيننا، ونثق أن كل موجةٍ، مهما بدت عاتية، تسير في طريقها إلى ميناء. ومن أراد أن يقرأ كيف تتحول الرغبة نفسها إلى قيدٍ حين تُترك بلا بوصلة، ففي مقال طوق الحمامة صورةٌ أخرى تستحق التأمل.
