في شقته الصغيرة في فرانكفورت، حيث أمضى آرثر شوبنهاور عقوده الأخيرة شبه وحيد، لا أنيس له إلا كلبه الأبيض الذي سمّاه “أتما”، كانت ساعة مكتبه تدق بانتظامٍ رتيب، وبندولها يتأرجح من طرفٍ إلى طرف دون أن يستقر لحظة واحدة عند المنتصف. لم يكن شوبنهاور بحاجة إلى تجربةٍ استثنائية ليرى في هذه الحركة الميكانيكية البسيطة صورةً كاملة لحياة الإنسان كما فهمها هو: أننا نتأرجح، مثل ذلك البندول تمامًا، بين طرفين لا ثالث لهما.
تتأرجح الحياة كالبندول جيئةً وذهابًا بين الألم والملل، وهما في الحقيقة عنصراها الأخيران.آرثر شوبنهاور، «العالم إرادةً وتمثّلًا»، 1818
فحين تنقصنا حاجة، سواء أكانت طعامًا أم حبًّا أم مكانةً أم مالًا، نتألم لغيابها، وهذا الألم هو ما يدفعنا للسعي والرغبة. وحين نبلغ أخيرًا ما كنا نصبو إليه، يزول الألم لحظةً، لكنه لا يترك مكانه لراحةٍ دائمة، بل لفراغٍ جديد اسمه الملل: سأمٌ من انعدام ما نطلبه بعد الآن. وهذه هي الحيلة القاسية للرغبة كما رآها شوبنهاور: نحن لا نطلب الأشياء لذاتها في الغالب، بل لأن الطلب نفسه هو حالتنا الطبيعية التي لا تكفّ. فما إن تنطفئ رغبةٌ حتى تولد أختها من رمادها، وتستأنف الساعة دقّها من جديد.
عطشٌ لا يعرف اسم الارتواء
وقد اختار شوبنهاور نفسه، حين أراد أن يصف جوهر الرغبة الإنسانية، صورةً أقرب إلى العطش منها إلى أي شيء آخر:
الإرادة والسعي هما جوهر الإنسان كلّه، ويمكن تشبيههما تمامًا بعطشٍ لا يُروى.آرثر شوبنهاور، «العالم إرادةً وتمثّلًا»، الكتاب الثاني، الفقرة 57
وتانتالوس، الملك الذي عاقبته الأساطير اليونانية بأن يقف إلى الأبد في بحيرةٍ يصل ماؤها إلى ذقنه، لكنه ينحسر كلما حاول أن يشرب منه، ليس شخصيةً أسطورية بعيدة عنا، بل هو كل واحدٍ منا حين يظن أن الكأس التالية، أو الترقية التالية، أو الإعجاب التالي، ستكون أخيرًا الشربة التي تُروي ظمأه. وهذا بالضبط ما رأيناه في مقال حصانٌ نمتطيه لا يمتطينا: أن الرغبة خادمٌ جميل حين نقودها، لكنها سيّدٌ لا يشبع حين تقودنا هي.
حين تهدأ الساعة قليلًا
لم يكن شوبنهاور يدعو إلى قتل الرغبة أو الشعور بالذنب حيالها؛ فهو نفسه عاش حياةً غنية بالموسيقى والأدب والتأمل الطويل. بل كان يشير إلى طريقٍ ثالث، خارج تأرجح البندول بين الألم والملل: لحظات التأمل الجمالي الخالص، حين ننظر إلى لوحةٍ أو منظرٍ طبيعي أو نستمع إلى مقطوعةٍ موسيقية دون أن نريد منها شيئًا لأنفسنا، لا امتلاكًا ولا استخدامًا، بل تأمّلًا محضًا. في تلك اللحظة النادرة، يقول شوبنهاور، تهدأ الإرادة قليلًا، ويتوقف البندول عن التأرجح، ولو للحظة، ونرى العالم كما هو، لا كما نشتهيه.
ولعل هذا هو ما فهمه يونغ لاحقًا حين تحدّث عن “الظل”، ذلك الجزء من أنفسنا الذي نخفيه حتى عنّا، كما تأمّلنا في مقال الظلّ الذي ننكره: فإرادة شوبنهاور العمياء التي تسعى بلا هوادة تشبه إلى حدٍّ بعيد ما سمّاه يونغ لاحقًا الدوافع اللاواعية التي تحرّكنا دون أن نراها، والفرق الوحيد أن يونغ أضاف ما لم يقله شوبنهاور بوضوح: أننا حين نتعرّف على هذه الإرادة، حين نراها بدل أن نُساق بها، تخفّ سطوتها علينا.
وهذه هي الهدية الهادئة التي يتركها لنا شوبنهاور رغم تشاؤمه الشهير: أن نكفّ عن انتظار كأسٍ أخيرة تُروي كل ظمئنا إلى الأبد، وأن نتعلم بدل ذلك أن نجد، بين تأرجحةٍ وأخرى، لحظاتٍ نتوقف فيها لنتأمل، لا لنطلب. وهذا هو بالضبط الوسط الذي تحدثنا عنه في مقال الميزان الداخلي: ليس إسكاتًا للرغبة ولا استسلامًا لها، بل معرفةً هادئة بأنها لن تشبع أبدًا من الخارج وحده. ومن يتعلّم أن يقف، ولو قليلًا، عند سكون البندول، يكتشف أن الخطوة التالية طبيعية: أن يلتفت إلى ما يملكه غيره بعينٍ صافية لا حاسدة، وهذا بالضبط ما ننتقل إليه في المحطة القادمة من هذه الرحلة: اللص الذي فينا لا في الجار.

