لوحة الميلاد مع المتبرّعَين والقديسَين جيروم وليونارد، للفنّان جيرار دافيد، تصوّر متبرّعَين ثريّين راكعَين إلى جانب مشهد ديني
جيرار دافيد، «الميلاد مع المتبرّعَين والقديسَين جيروم وليونارد»، نحو 1510–1515 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في عام 1889، نشر الصناعي الأمريكي أندرو كارنيجي — الذي بنى إمبراطورية الصلب التي جعلته أغنى رجلٍ في العالم تقريبًا — مقالًا بعنوان «الثروة» في مجلة «نورث أمريكان ريفيو». لم يكن المقال دفاعًا عن جمع المال، بل تحذيرًا واضحًا لكل من يحتفظ به.

الرجل الذي يموت هكذا غنيًّا، يموت مذمومًا.أندرو كارنيجي · «إنجيل الثروة»، 1889

وجاءت الجملة من رجلٍ لم يكن يتحدث نظريًّا؛ فقد بدأ حياته صبيًّا فقيرًا في اسكتلندا، يعمل في مصنع نسيج بأجرٍ زهيد، قبل أن يهاجر إلى أمريكا ويبني واحدةً من أكبر شركات الصلب في التاريخ. وحين وصل إلى قمة الثروة، لم يسأل نفسه كيف يحميها أو يورّثها، بل سأل سؤالًا أصعب: ما الذي يحقّ له أصلًا أن يحتفظ به؟

الثروة أمانةٌ لا ملكية

ويشرح كارنيجي في المقال نفسه فكرته المركزية بوضوح لا لبس فيه:

لوحة توأمَي بورتيناري لهانس مِملينغ، صورة زوجَين من طبقة التجّار الأثرياء في بروج القرن الخامس عشر
هانس مِملينغ، «توماسو دي فولكو بورتيناري وماريا بورتيناري»، نحو 1470 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

الثروة الفائضة أمانةٌ مقدّسة، يلتزم صاحبها بإدارتها في حياته لخير المجتمع.أندرو كارنيجي · «إنجيل الثروة»، 1889

فالرجل الغني، في نظره، ليس مالكًا لثروته بقدر ما هو وكيلٌ عليها لفترةٍ محدودة، أُتيحت له مهارةٌ في تنميتها أكثر ممّا أُتيحت لغيره، لكن هذا لا يمنحه حقًّا أخلاقيًّا في أن يُبقيها لنفسه أو يورّثها كاملةً لأبنائه. وهذا بالضبط الفارق الذي يفصل بين الطمع والكرم كما رأيناه في مقال الجوع الذي لا يشبع: أن الطمع يسأل «كيف أحتفظ بأكثر؟»، بينما يسأل الكرم — كما فهمه كارنيجي — «كيف أُدير ما بين يدي لصالح مَن هو أوسع منّي؟».

حين نرى الثروة في وجه غيرها

ولم يكتفِ كارنيجي بالكتابة؛ فقد أنفق معظم ثروته — ما يعادل مليارات الدولارات بمقاييس اليوم — على بناء أكثر من 2500 مكتبة عامة حول العالم، مؤمنًا أن المعرفة، لا المال، هي ما يمنح الفقير فرصةً حقيقية للصعود، تمامًا كما صعد هو من فقره الأول. وكأنه أراد أن يُعيد للناس، لا ثروته وحدها، بل الطريق نفسه الذي سلكه ليصل إليها.

لوحة رجل جالس يقرأ لفراغونار، شخصية منهمكة في كتابها وحدها دون أن تلتفت لأحد
جان أونوريه فراغونار، «رجلٌ جالس يقرأ»، 1774 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وهذه اللوحة، لرجلٍ منهمكٍ في قراءته وحده، تجسّد أصدق ما أراده كارنيجي من مشروعه: ليس تمثالًا يحمل اسمه، بل قارئًا هادئًا لا يعرفه أحد، يجد في كتابٍ مجانيّ بابًا لم يكن ليصل إليه لولا رجلٍ قرّر أن ثروته الفائضة ليست ملكه وحده. وكما لاحظ كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن أكثر ما يخيف الإنسان الغني ليس فقدان المال، بل مواجهة السؤال عمّا يعنيه فعلًا أن يملك أكثر ممّا يحتاج؛ وكارنيجي، بدل أن يهرب من هذا السؤال، بناه أساسًا لفلسفته كلها.

ولم يكن الأمر سهلًا، ولا خاليًا من التناقض؛ فالرجل نفسه دافع طوال حياته المهنية عن منافسةٍ لا ترحم في عالم الصناعة، وواجه اتهاماتٍ بقسوته تجاه عماله في أوقاتٍ حرجة. لكن هذا التناقض بالذات هو ما يمنح فلسفته مصداقيتها: فهو لم يكتب عن الكرم من موقع القدّيس، بل من موقع رجلٍ يعرف تمامًا كيف تُصنَع الثروة، ويعرف بالقدر نفسه أنها لا تُصنَع لتبقى حبيسةً في يدٍ واحدة.

وربما هذا هو الدرس الذي يستحق أن يبقى بعد قرنٍ وأكثر من كتابة المقال: أن السؤال الحقيقي ليس «كم أملك؟»، بل «ماذا أفعل بما بين يدي بينما لا يزال بين يدي؟». وكما وعدنا مقال السلّم الذي يرتقيه العطاء مع ابن ميمون، فإن أرقى درجات العطاء ليست فيما نمنحه بعد الموت، بل فيما نمنحه ونحن أحياء، بأيدٍ لا تنتظر شكرًا. وللكرم حين يكبر بلا حدود وجهٌ آخر يرويه جبران خليل جبران في مقال اليد التي تتّسع بالعطاء، وللقلب المتحرّر محطةٌ قادمة من هذه الرحلة، حين نتعلّم أن أصغر العملات قد تكون أغلاها، في مقال الانتباه أندرُ أشكال الكرم.