لوحة في المرج لأوغست رينوار، امرأتان مستلقيتان بهدوء بين الأعشاب دون أن تفعلا شيئًا
أوغست رينوار، «في المرج»، 1888–92 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

نعيش في زمنٍ يجعل من الانشغال فضيلةً تُعرَض كالوسام: «أنا مشغولٌ جدًّا» صارت جملةً نقولها بفخرٍ خفي، كأنها دليلٌ على أننا نُستحَق، على أن حياتنا تعني شيئًا. وفي المقابل، صار من يملك وقت فراغٍ يشعر بحاجةٍ إلى تبريره، وكأن التوقف ذنبٌ يستوجب اعتذارًا. لكن روبرت لويس ستيفنسون، صاحب «جزيرة الكنز»، كتب قبل قرنٍ ونصف مقالاً بعنوان «اعتذارٌ للكسالى» يقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب، فيسأل: من يهرب من الحياة فعلًا؟ من يتوقف ليتأملها، أم من يملأ كل لحظةٍ فيها بعملٍ لئلا يواجه نفسه؟

يكتب ستيفنسون أن الانشغال الدائم غالبًا لا يدلّ على امتلاء الحياة، بل على فقرٍ فيها؛ فمن يهرب من لحظة صمتٍ واحدة إلى مهمةٍ أخرى، ثم أخرى، قد لا يكون منشغلًا بالحياة بقدر ما يكون هاربًا منها. أما من يملك القدرة على أن يجلس بلا فعل، وينظر إلى غيمةٍ تمرّ أو نهرٍ يجري، فذاك عنده من الشهيّة للعالم وحضوره فيه ما لا يملكه كثيرٌ ممّن يركضون طوال اليوم دون أن يروا شيئًا حقًّا:

الانشغال الشديد، سواء في المدرسة أو الجامعة، في الكنيسة أو السوق، علامةٌ على ضعف الحيوية؛ والقدرة على الفراغ تعني شهيّةً واسعة للحياة، وإحساسًا قويًّا بالذات.روبرت لويس ستيفنسون · مقال «اعتذارٌ للكسالى»، 1877

وهذه نظرةٌ مقلقة لمن اعتاد أن يقيس قيمته بعدد المهام المنجَزة في يومه، لأنها تقول إن الجدول الملآن قد لا يكون علامة نجاح، بل قناعًا نرتديه كي لا نشعر بفراغٍ لم نجرؤ على مواجهته. وهنا يلتقي ستيفنسون، من طرفٍ بعيد، مع ما رأيناه في مقال الظلّ الذي ننكره: فكما يتنكّر الخوف أحيانًا في زيّ الكسل، كما رأينا في مقال الصباح الذي لا يأتي وحده، قد يتنكّر الفراغ الذي نخشاه في زيّ الانشغال، فنركض لا لأن أمامنا الكثير لنفعله، بل لأن الوقوف ساكنين يجعلنا نسمع أسئلةً لا نملك جوابها بعد.

الفراغ الحيّ لا يشبه الهروب الفارغ

لكن ستيفنسون لا يمجّد كل توقف، ولا يخلط بين الفراغ الحيّ والفراغ الفارغ. فالكسالى الحقيقيون، كما يصفهم، ليسوا من يهربون من كل التزام، بل من يعرفون كيف يحضرون في اللحظة التي هم فيها دون أن يسابقوا الزمن إلى اللحظة التالية. الفرق دقيقٌ لكنه جوهري: من يجلس في حديقة، بلا جدولٍ ولا هدف، لكنه يرى فعلًا الضوء على الأوراق ويسمع صوت الريح، فذاك حاضرٌ لا هارب. أما من يملأ يومه بمهامٍ لا تنتهي، هربًا من صمتٍ يخيفه، فذاك يركض لا يعيش، مهما بدا منتجًا في عيون من حوله.

لوحة عائلة مونيه في حديقتهم بأرجونتوي لإدوار مانيه، كلود مونيه مستلقٍ يقرأ بينما تجلس زوجته بجواره
إدوار مانيه، «عائلة مونيه في حديقتهم بأرجونتوي»، 1874 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في هذه اللوحة يستلقي الرسام كلود مونيه في حديقته يقرأ جريدةً بلا استعجال، بينما تجلس زوجته بجواره تخيط، وابنهما يلعب قريبًا. لا أحد منهم يفعل شيئًا «مهمًّا» بالمعنى الذي يقيسه العالم، لكن المشهد كله ينبض بحياةٍ حقيقية: حضورٌ هادئ، لا فراغ يخيف ولا انشغال يُنهك. وهذا بالضبط ما كان يدافع عنه ستيفنسون: أن الحياة لا تُقاس بكثرة ما ننجزه، بل بمقدار ما نحضر فيه فعلًا، سواء كنا نعمل أو نستريح.

ويذهب ستيفنسون أبعد من ذلك، فيلوم ثقافةً كاملة تعلّمنا أن الفرح تَرَفٌ لا واجب، وأن التعب علامة جدّية بينما السعادة أمرٌ ثانوي نلحقه إن بقي من وقتنا شيء:

ما من واجبٍ نستهين به كما نستهين بواجب أن نكون سعداء.روبرت لويس ستيفنسون · مقال «اعتذارٌ للكسالى»، 1877

وهذه الجملة، رغم بساطتها، تحمل انقلابًا هادئًا في ترتيب أولوياتنا: فالسعادة، بحسب ستيفنسون، ليست مكافأةً نستحقها بعد أن ننهك أنفسنا، بل مسؤوليةً نحملها كما نحمل أي واجبٍ آخر. ومن يهمل هذا الواجب باسم الجدّية والانشغال، إنما يخون نفسه بقدر ما يخون من حوله، لأن الإنسان المرهق المُنهَك نادرًا ما يملك ما يعطيه لغيره من دفءٍ حقيقي.

متى نعرف أن التوقف حياةٌ لا هروب؟

والسؤال العملي الذي يتركه لنا ستيفنسون بسيط: حين تتوقف، هل تشعر بحضورٍ أكبر أم بفراغٍ يزداد ثقلًا؟ فالفراغ الحيّ يملؤك حتى وأنت لا تفعل شيئًا، بينما الهروب الفارغ يُبقيك جائعًا مهما طال توقفك، لأنه لا يواجه ما يخيفك بل يؤجّله فقط إلى وقتٍ آخر. والتمييز بين الاثنين لا يحتاج قاعدةً صارمة، بل صدقًا صغيرًا مع النفس: أن نسأل، قبل أن نملأ الفراغ بمهمةٍ جديدة، ماذا أهرب منه الآن؟ وأحيانًا يكون الجواب أننا لا نهرب من شيء، بل نستحق فعلًا أن نجلس، ونرى النهر يجري، دون أن نطلب منه وجهة. وهذا يكمل ما مررنا به في مقال القطرة تحفر الحجر لا بالقوة: فالاستمرار الصغير لا يناقض الفراغ الحيّ، بل يحتاجه، لأن من لا يعرف كيف يتوقف بحضورٍ لا يعرف أيضًا كيف يبدأ من جديد بصدق.

لوحة صباحٍ مبكر في غابة فونتينبلو لتيودور روسو، ضوء الفجر يتسلل هادئًا بين الأشجار
تيودور روسو، «صباحٌ مبكر من الصيف في غابة فونتينبلو»، 1861 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وحين يأتي الصباح التالي، لا يطلب منّا ستيفنسون أن نهجر أعمالنا ولا أن نمجّد الفراغ لذاته، بل أن نتذكّر أن العمل والراحة صنوان لا ضدّان، وأن من يعرف كيف يتوقف بحضورٍ صادق هو غالبًا من يعمل بعد ذلك بقلبٍ أخفّ ويدٍ أصدق. فالسعادة ليست ما يتبقى بعد أن ننهي كل شيء، بل جزءٌ من كل شيءٍ نفعله، إن أحسنّا الانتباه إليها. وهذا صدىً هادئ لما مررنا به في مقال ثقلٌ نحمله باسم الكمال، حيث رأينا أن الاتّساع يبدأ حين نتوقف عن مطاردة كمالٍ لا يشبع، ونمنح أنفسنا إذنًا أن نكون، لا أن ننجز فقط.