
في ورشة الغزل، لا يبدو المشهد مثيرًا: يدٌ تدير مغزلًا، وخيطٌ رفيع يتشكّل ببطءٍ لا يكاد يُلاحَظ من دورةٍ إلى دورة. لو راقبت الغازلة دقيقة واحدة، لظننت أن شيئًا يُذكر لا يحدث. لكن عد بعد ساعة، ستجد كبّة خيطٍ كاملة؛ وبعد أسابيع، ثوبًا. هذا بالضبط ما اكتشفه عالم النفس الأمريكي وليام جيمس (1842–1910) عن الإرادة نفسها، حين خصّص فصلًا كاملًا من كتابه المؤسِّس «مبادئ علم النفس» (1890) لدراسة العادة: أننا لا نصنع أنفسنا بقرارٍ واحد كبير يُروى كبطولة، بل بآلاف اللمسات الصغيرة التي لا يراها أحد، والتي تتراكم دون أن نشعر حتى تصير هي نحن.
نحن نغزل أقدارنا بأنفسنا، خيرًا كانت أم شرًّا، غزلًا لا رجعة فيه؛ فأصغر لمسةٍ من فضيلةٍ أو رذيلة تترك أثرها الذي لا يُمحى.وليام جيمس · مبادئ علم النفس، فصل «العادة»، 1890
خيوطٌ لا نراها لكنها لا تُمحى
والمفارقة أن هذا الاكتشاف يريحنا أكثر مما يُرهقنا. فنحن كثيرًا ما نتصوّر الإرادة قوةً عضلية نستدعيها في لحظة حاسمة، كأننا نرفع صخرة مرّة واحدة ثم ننتهي. لكن جيمس يقول إن أثر كل فعلٍ صغير، مهما بدا تافهًا، يبقى محفورًا فينا؛ وهذا قريبٌ مما رأيناه مع كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره: أن النفس لا تتغيّر بلحظة تنويرٍ واحدة، بل بمواجهاتٍ صغيرة متكررة مع ذاتها، كل واحدةٍ منها تعيد تشكيل من نكون قليلًا. الفارق أن جيمس ينقل هذه الفكرة من عالم الأحلام والرموز إلى شيءٍ بسيط كموعد استيقاظنا، وطريقة ردّنا على من يزعجنا، والخطوة الأولى التي نتردّد فيها كل صباح.

العادة صديقةٌ لا سجّانة
ويحذّرنا جيمس بعد ذلك من خطأٍ شائع: أن نظنّ العادة الجديدة قد ترسّخت لمجرد أننا مارسناها أيامًا قليلة بحماس. فالخيط الذي نغزله يحتاج استمرارًا لا انقطاع فيه، وإلا تفكّك ما بنيناه:
لا تسمح لاستثناءٍ واحد أن يحدث حتى تترسّخ عادتك الجديدة في حياتك؛ فكل انتكاسةٍ أشبه بإفلات كبّة الخيط التي كنّا نلفّها بعناية: زلّةٌ واحدة تحلّ ما لفّته عشرات اللفّات.وليام جيمس · مبادئ علم النفس، الفصل الرابع «العادة»، 1890
لكن هذا التحذير ليس دعوةً للقلق من كل زلّة، بل تذكيرٌ بأن الوفاء اليومي الهادئ أهمّ من الحماسة العابرة. والأجمل في رؤية جيمس أن العادة، حين تترسّخ، لا تصبح قيدًا بل تحريرًا: فحين يصير الفعل الطيب تلقائيًا، تتفرّغ إرادتنا لما هو أهم، تمامًا كما تتفرّغ يد الغازلة الماهرة للتفكير في نقشٍ جديد بينما تدور يدها الأخرى بلا جهدٍ واعٍ. هذا ما كتبته آني ديلارد لاحقًا بصيغةٍ أبسط، رأيناها في مقال كيف نُمضي أيامنا: أن الطريقة التي نمضي بها أيامنا هي، بلا شك، الطريقة التي نمضي بها حياتنا كلها.

وكما رأينا في مقال صباحٌ لا نطلب منه شيئًا، حين كتب ماركوس أوريليوس لنفسه أن ينهض كل صباح ليقوم بعمل الإنسان، لم يكن يطلب من نفسه معجزة، بل استئنافًا هادئًا لخيطٍ بدأه بالأمس. وهذا بالضبط ما يحرّرنا من وهمٍ يُتعبنا: أننا يجب أن نبدأ من جديد كل مرة نتعثّر فيها. الحقيقة أن الخيط لا ينقطع بزلّة واحدة إن عدنا إليه سريعًا؛ وللكسل الذي يجعلنا نؤجّل العودة دواءٌ رأيناه في مقال الصباح الذي لا يأتي وحده: أن نأخذ الخطوة الأولى الصغيرة، لا أن ننتظر رغبةً كاملة لا تأتي أبدًا.
وها هي المحطة الأخيرة من رحلتنا الاثنتي عشرة، من الخوف إلى الطمأنينة، تعيدنا كخيطٍ يعقد نهايته ببدايته إلى حيث انطلقنا: إلى الكِبْر ذاته، حيث ننتظر اليوم ضفدعًا ظنّ بئره بحرًا، ليذكّرنا أن اتساع العالم يبدأ حين تصغر الأنا التي تغزل خيوطها بصبرٍ، لا حين تتوقف عن الغزل لتُعجَب بنفسها. فالإرادة، في النهاية، ليست معركةً نخوضها مرّة، بل خيطًا نُحسن غزله كل يوم، حتى يصير هو نحن.

