أسطرلابٌ فلكي من صنع محمد زمان المنجّم الأسطرلابي، أداة نحاسية دقيقة الصنع لقياس الزمن ومواقع النجوم
محمد زمان المنجّم الأسطرلابي، «أسطرلاب مسطّح»، 1654–1655م — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

قبل أن يكتب ابن الجوزي كتابه الأشهر، كان قد أمضى عمرًا كاملًا واعظًا في بغداد، يقف كل جمعة أمام حشودٍ يذكّرهم بأن الوقت يمرّ ولا يعود. لكنه، في خلوته، كتب لنفسه شيئًا أشد صرامة ممّا كان يقوله للناس: أن كل واحدٍ منّا يقف، في هذه اللحظة بالذات، بين صفّين، ولا رفاهية له في أن ينشغل بغير ما هو فيه.

عبد الرحمن بن الجوزي (نحو 1116–1201م) كان من أكثر علماء بغداد غزارةً في الإنتاج، بين الوعظ والتاريخ والفقه والأدب. لكن كتابه «صيد الخاطر» يختلف عن بقية أعماله: ليس كتاب علمٍ يخاطب به الناس، بل دفتر خواطر كتبه لنفسه، في لحظات صفاءٍ وضعفٍ متتالية، يراجع فيها نفسه بصدقٍ لا يشبه صرامة الوعظ العلني. وفي إحدى تلك الخواطر، يضع القاعدة التي بُني عليها الكتاب كله:

ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة. ويقدّم الأفضل فالأفضل من القول والعمل.ابن الجوزي · صيد الخاطر، ١/٣٣

ليست هذه دعوةً إلى الزهد في الحياة، ولا إلى عيشٍ متوتّرٍ يُحصي كل دقيقة بقلق. ابن الجوزي نفسه كان رجلاً محبًّا للحياة، يمزح مع تلاميذه، ويكتب عن الجمال بقدر ما يكتب عن الآخرة. ما يقوله أدقّ من ذلك: أن قيمة الوقت لا تُقاس بطوله، بل بمعرفتنا أنه محدود. ومن عرف هذا حقًّا، لا يعيش خائفًا، بل يعيش منتبهًا.

بين صفّين

وفي موضعٍ آخر من الكتاب نفسه، يستعير ابن الجوزي صورةً من ساحة الحرب ليصف حالنا جميعًا. الجندي الذي يقف بين صفَّين متقابلين، في خضمّ معركة، لا يملك ترف الشرود؛ فأي لحظة انشغالٍ عن موضعه قد تكون الأخيرة. وهذه، كما يراها ابن الجوزي، حال كل إنسانٍ حيّ، وإن لم يكن في ساحة قتال:

من عجيب ما أرى من نفسي ومن الخلق: الميل إلى الغفلة عمّا في أيدينا من العلم بقصر العمر… فيا قصير العمر، إياك أن تشغل قلبك بغير ما خُلقت له، واحمل نفسك على المرّ، واقمعها إذا أبت، فقبيح بمن كان بين الصفّين أن يتشاغل بغير ما هو فيه.ابن الجوزي · صيد الخاطر، ص340

أسطرلاب نحاسي آخر من صنع عمر بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول، منقوش بدقة ومطعّم بالفضة
عمر بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول، «أسطرلاب»، 1291م — أدواتٌ صُنعت لقياس ما لا يُستعاد — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وقد رأينا في مقال الصباح الذي لا يأتي وحده كيف يتنكّر الكسل أحيانًا في هيئة خوفٍ من البداية؛ وابن الجوزي يضيف هنا بُعدًا آخر: أن التسويف إنكارٌ لحقيقة أعمق، هي محدودية الوقت نفسه. نتصرّف كأن الوقت لا ينفد، فنؤجّل ما يستحق انتباهنا الآن إلى غدٍ موهوم. وهذا بالضبط ما رأيناه مع كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره: أن ما نرفض مواجهته – هنا، محدوديتنا نفسها – لا يختفي بإنكاره، بل يتسلّل إلى أيامنا متنكّرًا في هيئة تسويفٍ وتشتّت.

ليس عبئًا، بل حضورًا

الفرق بين من يعيش «بين الصفّين» بقلقٍ ومن يعيشها بحضور، في نظر ابن الجوزي، هو المعرفة لا الخوف. فحين تعرف أن اللحظة التي بين يديك محدودة، لا تحتاج أن تُنجز فيها كل شيء دفعة واحدة؛ يكفي أن تمنحها ما تستحقّه من انتباهك الكامل، ثم تنتقل إلى التي تليها بالثقة نفسها. وهذا ما رأيناه أيضًا في مقال القطرة تحفر الحجر لا بالقوة: أن الاستمرار الصغير، لا القرار الضخم لمرّة واحدة، هو ما يحوّل الوقت المحدود إلى عملٍ كبير.

ويشاركه هذا الدرس صمويل جونسون، الذي رأينا صراعه الخاص مع الوقت في مقال خمسون عامًا من الوعد نفسه: كلاهما لم يهزم الكسل هزيمةً نهائية، بل تعلّم أن يجدّد وعده كل يوم من جديد. وحين يثقل الانسحاب من الزحام على القلب، هناك محطة أخرى في مقال الانسحاب الهادئ، عن الفرق بين الراحة الصادقة والهروب.

صفحة افتتاحية من مصحف بغداد المذهّب بخط أحمد بن السهروردي البكري، زخارف هندسية ذهبية دقيقة تحيط بالنص
أحمد بن السهروردي البكري، «صفحة افتتاحية من مصحف بغداد»، 1306–1307م — من بغداد نفسها التي عاش فيها ابن الجوزي — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

مات ابن الجوزي في بغداد عام 1201، بعد عمرٍ طويل قضاه بين المنبر والكتاب، ولم يكفّ يومًا عن تذكير نفسه – لا الناس فقط – بأن الوقت الذي بين يديه ليس ملكًا دائمًا، بل وديعة. وهذا بالضبط ما يجعل كلماته، بعد ثمانية قرون، لا تزال تصلح دواءً للحظة التي نؤجّل فيها ما نعرف أنه يستحق أن يُفعل الآن: أن نتذكّر، ولو للحظة، أننا واقفون بين صفّين، فنمنح ما بين أيدينا كل ما تستحقّه من حضورنا، لا خوفًا، بل حبًّا لما تبقّى من الوقت. وللقلب الذي يتعب من تأجيل نفسه محطّةٌ قادمة في رحلتنا، حين نتعلّم أن نضع عبء الكمال جانبًا، في مقال ثقلٌ نحمله باسم الكمال.