
في مساء أي يومٍ من حياته المتأخرة، كان يمكن أن تجد صمويل جونسون قد كتب للتّو مقالًا حكيمًا عن قيمة الوقت، ثم يأوي إلى فراشه واعدًا نفسه أن يستيقظ باكرًا في الغد. وفي الغد، كان غالبًا ما يبقى فيه حتى الثانية ظهرًا. هذا الرجل الذي منح اللغة الإنجليزية أول قاموسٍ شامل لها، ولا يزال يُستشهد بجُمَله أكثر من أي كاتبٍ إنجليزي عدا شكسبير، كان يعيش الصراع نفسه الذي نعيشه نحن كل صباح: أن نعرف تمامًا ما يجب أن نفعله، ثم لا نفعله.
صمويل جونسون (1709–1784) لم يكن كاتبًا عاديًّا. أنجز بمفرده تقريبًا «قاموس اللغة الإنجليزية» عام 1755، عملًا استغرق تسع سنوات وكان يُظن أنه يحتاج فريقًا كاملًا لإنجازه. وكتب مئات المقالات الأسبوعية في مجلّتَيه «المتجوّل» و«الكسول»، إلى جانب الشعر والنقد والسِّيَر. ومع هذا الإنتاج الهائل، عانى طوال حياته ممّا وصفه أصدقاؤه بـ«الكآبة السوداء»: نوبات من الخمول الثقيل تجعله يحتقر نفسه لعجزه عن البدء، حتى وهو يكتب عن هذا العجز بعمقٍ لم يبلغه أحدٌ قبله.
وحين أراد أن يفتتح مجلته الأسبوعية الجديدة عام 1758، لم يبدأ بخطبةٍ عن ضرورة الجدّ والعمل، بل بجملةٍ تكشف كم كان صادقًا مع نفسه:
كل إنسانٍ هو، أو يأمل أن يكون، كسولًا.صمويل جونسون · «الكسول»، العدد الأول، 1758
ولم تكن هذه دعوةً للاستسلام، بل تعريةً لوهمٍ شائع: أننا نظن الكسل استثناءً يخصّنا وحدنا، عيبًا سريًّا نخجل منه بينما يمضي الآخرون في حياتهم بانضباطٍ لا يعرف التعثّر. وجونسون، الذي عرف الكسل من الداخل أكثر من أي أحد، يقول: لا أحد ينجو من هذا الصراع، وحتى من يبدون منضبطين إنما يخفون الرغبة نفسها في التوقف. وهذا وحده يخفّف عبئًا ثقيلًا: أن نعرف أن الصراع مع البداية ليس علامة نقصٍ فينا، بل جزءٌ من كوننا بشرًا.
خمسون عامًا من الوعد نفسه
لكن ما يجعل قصة جونسون استثنائية ليس اعترافه العام بالكسل، بل ما تركه لنا في يومياته الخاصة: عقودٌ من الوعود المتكررة، وكلّها تقريبًا بالصيغة نفسها. في عام 1738 كتب يطلب من الله أن يعينه على استرداد الوقت الذي «أنفقه في الكسل». وفي 1753: «أن أستيقظ باكرًا، ألّا أضيّع وقتًا». وفي 1764: «أن أتجنّب الكسل، أن أستيقظ باكرًا». وفي إحدى تلك الليالي، وهو يكتب في الثالثة صباحًا بعد ليلةٍ أخرى بلا نومٍ منتظم، يعترف بصراحةٍ مؤثرة: «أنوي أن أستيقظ عند الثامنة، لأنني وإن لم أستيقظ باكرًا فعلًا، فسيكون ذلك أبكر بكثير ممّا أستيقظ عليه الآن، فأنا غالبًا ما أظلّ نائمًا حتى الثانية».

وفي عام 1775، وهو في السادسة والستين من عمره، نظر جونسون إلى الوراء فرأى خمسين عامًا من الوعود نفسها تُكسَر عامًا بعد عام. وكان بإمكانه، في تلك اللحظة، أن يستسلم بمنطقٍ يبدو معقولًا: ما جدوى وعدٍ أثبت التاريخ أنني لا أفي به؟ لكنه كتب في يومياته جملةً هي أقرب ما وصلنا إليه من فلسفته الحقيقية في مواجهة الكسل:
أحاول، لأن الإصلاح واجبٌ واليأس خطيئة.صمويل جونسون · من يومياته، جمعة الآلام 1775
ولاحظ أن جونسون لم يقل إنه سينجح هذه المرة، ولم يعد نفسه بأن الوعد صار مضمون التحقّق. لكنه ميّز بوضوحٍ حاسم بين أمرين: الفشل في تحقيق التغيير، واليأس من محاولته. الأول إنسانيّ، لا عيب فيه. أما الثاني، في نظره، فخطيئةٌ حقيقية، لأنه يغلق الباب الوحيد الذي يبقي احتمال التغيير حيًّا. وهذا يقلب فهمنا الشائع للكسل رأسًا على عقب: أن العدوّ الحقيقي ليس التعثّر المتكرر، بل اللحظة التي نقرّر فيها أن نتوقف عن المحاولة لأننا تعثّرنا من قبل.
الكمال الذي يمنعنا من البدء
وفي مقالٍ آخر من مقالاته الأسبوعية، حدّد جونسون سببًا دقيقًا لكثيرٍ من هذا التسويف، لا علاقة له بالخمول بقدر ما له علاقة بالطموح الزائد: من يملك القدرة على تصوّر الكمال لن يقنع بسهولةٍ بأقل منه؛ ولأن الكمال لا يُدرَك أبدًا، يخسر فرصة الإحسان طلبًا لتفوّقٍ لا يُنال. وهذه الملاحظة تلتقي بما رأيناه في مقال الصباح الذي لا يأتي وحده، حيث وصفنا كيف يشلّ انتظار الكمال صاحبه قبل أن يبدأ: فمن يريد أن يكتب صفحةً مثالية لا يكتب شيئًا، بينما من يقبل صفحةً متواضعة اليوم يجد نفسه، كجونسون، وقد أنجز عملًا كاملًا بعد سنواتٍ من صفحاتٍ لم تكن مثالية في يومها.

ومات جونسون عام 1784 دون أن «يحلّ» مشكلة كسله حلًّا نهائيًّا؛ فحتى أواخر أيامه كانت يومياته تحمل الوعد نفسه: أن يستيقظ باكرًا، أن يتجنّب الكسل. لكن هذا بالضبط ما يجعل حياته درسًا لا يُنسى: أن العمل العظيم لا يُبنى بالضرورة على انتصارٍ كاملٍ على النفس، بل على رفضٍ متجدّد لليأس، مرّةً بعد مرّة، لخمسين عامًا إن لزم الأمر. فإن كنت قد وعدت نفسك بالتغيير من قبل ولم تفِ، فأنت في صحبةٍ جيدة؛ والسؤال الذي يستحق أن تسأله لنفسك الليلة ليس «هل سأنجح هذه المرة؟» بل ببساطة: «هل سأحاول مرّةً أخرى؟». وطالما كانت الإجابة نعم، فالوعد لم يُهزَم بعد.
وهذا القلق من العجز، حين يُنظر إليه لا بوصفه كسلًا بل حزنًا مموَّهًا، هو ما تأمّله توما الأكويني قبل جونسون بقرون؛ تجد هذه الزاوية في مقال الحمّى التي تزور عند الظهيرة. وممّن رأى في التوقف نفسه حكمةً حين يكون فراغًا حيًّا لا هروبًا فارغًا، الكاتب روبرت لويس ستيفنسون، في مقال نهرٌ يجري بلا وجهة.
وكما رأينا مع كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن ما نرفض مواجهته في أنفسنا لا يختفي بل يعاود الظهور متنكّرًا؛ ويوميّات جونسون، بصدقها القاسي، هي بالضبط عكس هذا الإنكار: مواجهةٌ متكررة لا تنتهي. وللكسل دواءٌ رأيناه في مقال القطرة تحفر الحجر لا بالقوة، حين يتحوّل الوعد من قرارٍ ضخمٍ لمرّة واحدة إلى خطوةٍ صغيرة تتكرر. وللقلب الذي يتعب من وعوده محطّةٌ قادمة في رحلتنا، حين نتعلّم أن نقول لأنفسنا الحقيقة كاملة دون خجل، في مقال أن نقول «لا أعرف» فنتّسع.

