
في مختبره بولاية نيوجيرزي، أمضى المخترع الأمريكي توماس إديسون أكثر من خمسة أشهر يحاول تطوير نوعٍ جديد من البطاريات القابلة للشحن. مئات الخلايا الصغيرة على طاولته، كل واحدةٍ تجربةٌ مختلفة، وكلّها باءت بالفشل. حين زاره صديقه القديم والتر مالوري ورأى حجم الجهد بلا نتيجة، أشفق عليه وقال: أليس مؤسفًا أن كل هذا العمل لم يُثمر شيئًا؟ فالتفت إليه إديسون كالبرق، وردّ بابتسامة:
نتائج؟ لماذا يا رجل، لقد حصلتُ على الكثير من النتائج! أنا أعرف الآن آلاف الأشياء التي لا تنجح.توماس إديسون · نقلًا عن سيرته «إديسون: حياته واختراعاته»، 1910
لم تكن هذه دعابة عابرة، بل كانت طريقة إديسون الحقيقية في رؤية العالم. فحيث يرى معظمنا التجربة الفاشلة نهايةً مؤلمة، كان يراها معلومةً اكتسبها: طريقًا واحدًا أُغلق أمامه، فصار الطريق الصحيح أقرب بخطوة. ولم يكن هذا تفاؤلًا ساذجًا، بل قرارًا واعيًا بإعادة تعريف الفشل نفسه.
ولم تكن قصة البطارية استثناءً في سيرته، بل كانت القاعدة. فقد سجّل إديسون خلال حياته أكثر من ألف براءة اختراع، لكن خلف كل واحدةٍ منها وقفت عشراتٌ، بل مئاتٌ، من المحاولات التي لم تصل إلى شيء: أسلاكٌ احترقت، وموادّ لم تصمد، وتصميماتٌ بدت واعدة على الورق ثم خذلته في المختبر. لم يكن سرّه أنه أخطأ أقلّ من غيره، بل أنه لم يسمح لكثرة أخطائه أن تُقنعه بالتوقف. وهذا فارقٌ يستحق أن نتوقف عنده: فالفرق بين من ينجز ومن لا ينجز ليس غالبًا في موهبةٍ نادرة، بل في مقدار ما يستطيع كلٌّ منهما أن يتحمّله من محاولاتٍ لا تنجح قبل أن يستسلم.
حين تصير المحاولة نفسها هي الهدف
وهذا يشبه كثيرًا ما تحدّثنا عنه في مقال الظلّ الذي ننكره: فكثيرون يتجنّبون المحاولة أصلًا خوفًا من أن يُواجهوا نقصًا في أنفسهم، فيفضّلون ألّا يبدأوا على أن يبدأوا ويُخطئوا. أما إديسون فقد قلب هذا الخوف على رأسه: كل خطأ عنده لم يكن دليل نقصٍ، بل جزءًا ضروريًّا من الطريق. ولهذا لم يكن غريبًا أن يكتب لاحقًا جملته الأشهر عن معنى العبقرية:

العبقرية واحدٌ بالمئة إلهام، وتسعةٌ وتسعون بالمئة عرق.توماس إديسون · مقابلة مجلة «هاربرز»، 1932
والعرق هنا ليس مجرّد كدٍّ جسديّ، بل إرادةٌ متجدّدة: أن تعود إلى الطاولة صباح كل يوم، بعد فشل الأمس، وتبدأ خليةً جديدة. وهذا بالضبط ما وصلنا إليه في مقال القطرة تحفر الحجر لا بالقوة: أن الإرادة ليست شرارةً تُبهر مرّة ثم تخبو، بل مثابرةً هادئة، تتكرّر يومًا بعد يوم دون أن تنتظر تصفيقًا.
الطريق إلى ضوءٍ لم يُخترع بعد

ولعلّ أجمل ما في قصة إديسون أنه لم يكن يعرف، وهو يجرّب تلك الآلاف من الطرق الفاشلة، أيّ خليةٍ ستنجح أخيرًا، ولا متى. لم يكن يرى الحلّ، لكنه واصل السير نحوه، تجربةً بعد تجربة، واثقًا أن الطريق موجود حتى لو لم يظهر بعد. وهذا أشبه بما فعله ثيودور روزفلت حين مدح من ينزل إلى الحلبة رغم عدم ضمان النتيجة؛ يمكن أن تقرأ عن ذلك في مقال الرجل الذي في الحلبة. وأشبه أيضًا بما وصلنا إليه في مقال الحرية التي لا تُصادَر مع فيكتور فرانكل: أن آخر ما يُنتزع من الإنسان هو حرّيته في أن يختار موقفه من الظرف الذي يعيشه، ناجحًا كان أم غير ناجحٍ في تلك اللحظة بعينها.
وحين ننظر اليوم إلى إنجازات إديسون، لا نرى آلاف التجارب التي فشلت، بل نرى فقط تلك التي نجحت. وهذا نفسه ما يخدعنا في حياتنا: نقارن بدايتنا المرتبكة بنهايات الآخرين اللامعة، وننسى أن كل نهايةٍ لامعة سبقتها محاولاتٌ كثيرة لم يرها أحد. وضدّ هذا الخداع بالذات وقف إديسون طوال حياته: فالكسل الحقيقي، كما وصفناه في مقال الصباح الذي لا يأتي وحده، ليس غياب الطاقة، بل خوفًا من مواجهة تجربةٍ قد لا تنجح؛ بينما الإرادة، ببساطة، قرارٌ بأن نجرّب رغم ذلك. فإن كنت اليوم في منتصف تجربةٍ لم تنجح بعد، فاعلم أنك لا تفشل؛ أنت فقط تجمع نتائج، واحدةً بعد أخرى، حتى تصل إلى تلك التي تُضيء أخيرًا. وحين نتعلّم هذا الدرس جيدًا، نكتشف أن الإرادة نفسها بابٌ يفتح على اتّساعٍ جديد، أقرب إلى ما ينتظرنا في محطتنا القادمة من هذه الرحلة، في مقال أن نقول ‹لا أعرف› فنتّسع.

