لوحة أطفال يلعبون لعبة الكرباج أمام مدرسة ريفية، وينسلو هومر، 1872
وينسلو هومر، «لعبة الكرباج»، 1872 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في ربيع 2013، وقف الكاتب الأمريكي جورج سوندرز أمام خرّيجي جامعة سيراكيوز ليلقي خطاب التخرج. كان يمكن أن يقول ما يُقال عادةً في هذه المناسبات: اتبعوا شغفكم، اعملوا بجد. لكنه بدلًا من ذلك روى قصةً من الصف السابع. فتاةٌ جديدة انتقلت إلى مدرسته، صغيرة خجولة بنظارةٍ زرقاء، كانت حين تتوتر تمضغ خصلةً من شعرها. سخر منها الأولاد، لا بقسوةٍ استثنائية، بل بذلك الإهمال اليومي العادي: لماذا جئتِ؟ لماذا شعرك هكذا؟ وسوندرز نفسه لم يشارك في السخرية؛ كان مهذبًا معها، لطيفًا بعض الشيء حتى. ثم انتقلت عائلتها، ورحلت. انتهت القصة. ومع ذلك، بعد اثنين وأربعين عامًا، حين سُئل عمّا يندم عليه في حياته كلها، لم يتذكر خطأً ارتكبه، بل خيرًا قصّر فيه.

ما أندم عليه أكثر من أي شيءٍ في حياتي هو لحظاتُ التقصير في اللطف: تلك اللحظات التي كان فيها إنسانٌ آخر أمامي، يتألّم، فاستجبتُ… بتعقّل. بتحفّظ. بفتور.جورج سوندرز، خطاب التخرج في جامعة سيراكيوز، 2013

انتبه إلى دقة العبارة: لم يقل «لحظات القسوة»، بل لحظات التقصير في اللطف. فأكثرنا لا يجرح الناس عمدًا؛ نحن فقط نمرّ بهم ونحن مشغولون بأنفسنا، فنقدّم لهم نسخةً معقولةً ومتحفظةً وباردةً من الخير الذي كان في وسعنا. والفرق بين اللطف الذي حدث واللطف الذي كاد يحدث لا يراه أحد — إلا نحن، بعد سنوات.

لماذا يتأخّر لطفنا؟

يجيب سوندرز في الخطاب نفسه إجابةً صادقة: لأن كل واحدٍ منّا يولد وفي رأسه وهمٌ عنيد بأنه مركز الكون، وأن حاجاته أهم، وأن عليه أن يؤمّن نفسه أولًا — النجاح أولًا، الاستقرار أولًا — ثم بعد ذلك، حين يفيض الوقت، يتفرّغ للّطف. لكن «بعد ذلك» هذه تشبه خطّ الأفق: تتراجع كلما تقدمنا نحوها. وهنا تلتقي كلمات سوندرز بما رأيناه مع سيمون فايل في مقال الانتباه أندرُ أشكال الكرم: اللطف ليس فائضًا نجود به حين نفرغ، بل انتباهٌ نقرر أن نلتفت به الآن، ونحن بعدُ منشغلون وخائفون وغير جاهزين.

لوحة فتاتين صغيرتين إلى البيانو، أوغست رينوار، 1892
أوغست رينوار، «فتاتان صغيرتان إلى البيانو»، 1892 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وثمة ملاحظة أعمق في الخطاب تستحق التوقف: يقول سوندرز إن الإنسان يلين مع العمر من تلقاء نفسه؛ فالحياة تكسر وهم المركزية فينا كسرًا رفيقًا، ونصير مع الشيب ألطف وأرحم. الخبر الجيد أن هذا سيحدث. أما نصيحته فهي ألّا ننتظره:

بما أن حياتك ستكون، على أي حال، رحلةً تدريجية نحو أن تصير ألطف وأكثر حبًّا — أسرِع. عجّلها. ابدأ الآن. وكلما ساورك شكٌّ في موقف، أخطئ في اتجاه اللطف.جورج سوندرز، الخطاب نفسه

أن نخطئ في الاتجاه الصحيح

«أخطئ في اتجاه اللطف» — يا لها من وصفة. إنها لا تطلب منّا كمالًا ولا حكمةً فوريّة؛ تعترف سلفًا بأننا سنخطئ في الحساب كثيرًا، وتقترح فقط أن نختار جهة الخطأ. إن بالغنا في اللطف فخسارتنا ابتسامةٌ ذهبت لمن لا يستحقها؛ وإن بالغنا في التحفظ فخسارتنا فتاةٌ بنظارةٍ زرقاء تسكن ذاكرتنا أربعين عامًا. الحسابُ، حين نضعه هكذا، محسومٌ سلفًا. وهذا وجه الشفاء الذي يقدّمه اللطف لضدّه القديم: فبينما يقيسنا الحسدُ على الآخرين فيضيّقنا، يلتفت اللطف إليهم فيوسّعنا — إنه المقارنة وقد انقلبت عنايةً.

وفي زمنٍ وصفناه في مقال وباء الوحدة، حيث يجلس الناس متجاورين متباعدين، لم يعد اللطف مجاملةً اجتماعية؛ صار دواءً عامًّا نملك جميعًا وصفته. والجميل في وصفة سوندرز أنها تبدأ صغيرةً جدًّا: سؤالٌ صادق لزميل، مقعدٌ يُفسح، رسالةٌ تُرسل في وقتها. اللطف الكبير مصنوعٌ كله من هذه القطع الصغيرة، كما أن الفتاة التي في ذاكرة سوندرز لم تكن تحتاج بطلًا يقف على مقعدٍ ويخطب — كانت تحتاج ولدًا واحدًا يجلس بجانبها في الفسحة.

لوحة الخطوات الأولى: فلاح يفتح ذراعيه لطفلته التي تتعلم المشي، فان جوخ، 1890
فنسنت فان جوخ، «الخطوات الأولى (عن ميليه)»، 1890 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

انظر إلى لوحة فان جوخ هذه: أبٌ جاثٍ على ركبتيه، فاتحًا ذراعيه لطفلته وهي تجرّب خطوتها الأولى. لم ينتظر أن تصل؛ مدّ يديه قبل أن تخطو. هذا هو اللطف في صورته الأصفى: استعدادٌ سابق للحاجة، ذراعان مفتوحتان على سبيل الاحتياط. فإذا كانت في حياتك اليوم «فتاةٌ بنظارة زرقاء» — وفي حياة كلٍّ منّا واحدة على الأقل — فلعلّ هذا المقال إشارتُك: لا تكن معقولًا أكثر من اللازم. أخطئ في اتجاه اللطف، وابدأ الآن. فذلك التمرين اليومي الصغير هو نفسه الميزان الداخلي الذي تتعلمه القلوب في محطتها التالية: أن تعرف متى تكفّ، ومتى تفيض.