
في عام 1930، جلس برتراند راسل — الفيلسوف الإنجليزي الذي كتب في المنطق والرياضيات ما يعجز عنه أكثرنا — ليكتب كتابًا بسيطًا عن سؤالٍ بسيط: لماذا نحن تعساء؟ في كتابه «غزو السعادة» خصّص فصلًا كاملًا للحسد، وفيه لاحظ ملاحظةً تبدو صغيرة، لكنها حين نتأملها تفتح بابًا واسعًا: نحن لا نحسد مَن يبعدون عنّا كثيرًا، بل مَن يقفون على المسافة نفسها منّا تقريبًا. الموظف لا يؤرّقه ثراء الأمراء، بل علاوة زميله في المكتب المجاور.
الشحّاذون لا يحسدون أصحاب الملايين، وإن كانوا بالطبع يحسدون شحّاذين آخرين حالفهم النجاح أكثر منهم.برتراند راسل، «غزو السعادة»، 1930
هذه الملاحظة تكشف سرّ الحسد كله: إنه لا يتعلق بما ينقصنا فعلًا، بل بما يملكه مَن نقيس أنفسنا عليهم. فالحسد، كما يقول راسل، لا يرى الأشياء في ذاتها أبدًا، بل يراها في علاقاتها فقط. لا نسأل: هل بيتي يكفيني؟ بل: هل بيتي أوسع من بيت صاحبي؟ ولأن السؤال الثاني لا جواب نهائيًّا له، فإن مَن يعيش به لا يصل إلى ضفةٍ أبدًا.
سلّمٌ لا آخر له
قد نظن أن الحلّ هو مزيد من النجاح: نصعد درجةً أعلى، فنتخلص من ألم النظر إلى مَن فوقنا. لكن راسل يقطع الطريق على هذا الأمل بواحدةٍ من أطرف فقرات الكتاب وأكثرها صدقًا:
لا يمكنك أن تنجو من الحسد بالنجاح وحده؛ فسيظلّ في التاريخ أو الأسطورة مَن هو أنجح منك. لقد حسد نابليون قيصر، وحسد قيصر الإسكندر، وأكاد أجزم أن الإسكندر حسد هرقل — الذي لم يوجد قط.برتراند راسل، «غزو السعادة»، 1930
سلّم المقارنة لا آخر له، لأن آخر درجاته مرسومة في الخيال لا في الأرض. حتى لو صرنا الأول في كل شيء، سنجد في حكايةٍ قديمة بطلًا خياليًّا يسبقنا. ومَن يفهم هذا يفهم لماذا لا يشفي النجاحُ الحسدَ، كما لا يشفي الطعامُ جوعًا ليس جوعَ معدة. وقد رأينا في مقال صحون الجيران على الشاشة كيف ضاعفت الشاشات هذا السلّم حتى صار بلا سقف: صرنا نقارن أنفسنا لا بجيراننا فحسب، بل بأجمل لحظةٍ في حياة كل إنسانٍ على وجه الأرض.

العين التي تعود إلى صحنها
فما العلاج إذن؟ لا يقترح راسل أن نغمض أعيننا عن الدنيا، بل أن نغيّر ما تبحث عنه: أن نستمتع بما يأتينا من مباهج، وأن ننجز العمل الذي بين أيدينا، وأن نمتنع عن مقارنة أنفسنا بمن نتخيّل — ربما خطأً تامًّا — أنهم أسعد منّا. فالمقارنة عادة، والعادة تُستبدل بعادة: كلما لمحنا أنفسنا نقيس حياتنا على حياة غيرنا، أعدنا العين برفقٍ إلى صحننا نحن، كما نعيد طفلًا شرد عن كتابه.
وثمة طبقة أعمق لمّح إليها كارل يونغ، الذي تحدّثنا عن ظلّه الذي ننكره: ما نحسد الآخرين عليه ليس عشوائيًّا أبدًا. نحن لا نحسد إلا على ما يعنينا في السرّ؛ فحسدُنا خريطةٌ مقلوبة تشير إلى ذهبٍ فينا لم نُخرجه بعد إلى النور. الزميل الذي يؤلمنا نجاحُ كتابه إنما يذكّرنا بالكتاب الذي لم نجرؤ على كتابته. وهكذا يمكن للحسد، إذا أمسكناه من طرفه الصحيح، أن ينقلب من سمٍّ إلى بوصلة: بدل أن نسأل «لماذا هو؟» نسأل «ما الذي يوقظه هذا فيّ؟».
وراسل نفسه عاش ما كتب؛ فهو الذي علّمنا في مقالٍ سابق فضيلة الانسحاب الهادئ من سباقاتٍ لم نخترها. الرجل الذي قضى عمره بين أعقد المسائل عرف أن السكينة لا تُقاس بالمنجزات، بل بالقدرة على النظر إلى حياتنا في ذاتها، لا في مرآة حياة الآخرين.

انظر إلى لوحة بيسارو الأخيرة هذه: تفاحاتٌ قليلة وإبريقٌ على طاولة خشبية. لا شيء فيها يستحق الحسد، ولا شيء فيها ينقصه شيء. هذا هو التمرين كله: أن نتعلم رؤية طاولتنا كما رسمها بيسارو — في ذاتها، مكتفيةً بضوئها — لا كما يراها جارٌ متخيَّل. وللداء دواءٌ أبعد من هذا أيضًا: أن ننقلب من الحسد إلى ضدّه تمامًا، فنتعلّم اللطف الذي يفرح للناس بدل القياس عليهم، وننظر إليهم كما علّمتنا سيمون فايل: انتباهًا لا مقارنة. فإذا هدأت المقارنة في القلب، صار مستعدًّا للمحطة التالية من الرحلة: أن يتعلم ألّا يُشعل النار حين تُقدح الشرارة.

