
في أحد أروقة مقر الأمم المتحدة في نيويورك، تُعلَّق سجادةٌ يدوية الصنع، منسوجة بخيوط فارسية، وعليها أبياتٌ من الشعر لا آية سياسية ولا شعار دبلوماسي. كتبها شاعرٌ عاش قبل ثمانية قرون في مدينة شيراز، واسمه سعدي، وهي تقول ما لم تفلح كل المعاهدات في قوله ببساطته: إننا جميعًا أعضاء جسدٍ واحد.
مصلح الدين سعدي الشيرازي (نحو 1210–1291م) أحد أعظم شعراء الأدب الفارسي، وكتابه «گلستان» (روضة الورد)، الذي ألّفه عام 1258م، مزيجٌ من الحكايات القصيرة والأبيات الشعرية التي تنصح بلطفٍ أكثر مما تعظ. وفي مقدّمة الكتاب، يضع سعدي واحدةً من أشهر قصائده على الإطلاق، «بني آدم»، التي تفتتحها بصورةٍ لا تُنسى:
بنو آدم أعضاء جسدٍ واحد، فقد خُلقوا من جوهرٍ واحد. إذا أصاب الزمانُ عضوًا بألمٍ، لم يهدأ له سائر الأعضاء.سعدي الشيرازي · گلستان، المقدّمة، 1258م
الصورة بسيطة، لكنها دقيقة إلى حدّ مذهل: الجسد الواحد لا يشعر بجرح إصبع قدمه في يده، لكنه يشعر به في كل مكان، لأن الألم لا يبقى محليًّا في جسدٍ حيّ. وسعدي يقول إن هذا بالضبط ما يجعلنا بشرًا: ليس امتلاكنا للعقل أو اللغة، بل قدرتنا على أن نتألم لألمٍ ليس ألمنا. فمن فقد هذه القدرة، مهما بلغت إنسانيته الشكلية، فقد فقد شيئًا جوهريًّا في اسمه:
وإن لم يكن للمرء اكتراثٌ بآلام الآخرين، فلا يستحقّ أن يُدعى إنسانًا.سعدي الشيرازي · گلستان، المقدّمة، 1258م
أن نشعر بما لم يصبنا
وهذه ليست دعوةً عاطفية عابرة، بل قدرة تُدرَّب، كما رأينا في مقال الانتباه أندرُ أشكال الكرم، حيث تبيّن مع سيمون فايل أن أعمق أشكال الكرم ليست العطاء المادي، بل أن ننظر إلى الآخر نظرةً كاملة، دون أن نختصره في حاجتنا نحن. وسعدي، بلغته الشعرية، يذهب إلى الجذر نفسه: أن نرى في وجع الغريب صدىً لوجعنا، لا لأننا نعرف تفاصيله، بل لأننا نتشارك المادة نفسها.

ولعل أصعب ما في هذه الفكرة أنها تتعارض مع غريزةٍ أعمق فينا، هي أن نحمي أنفسنا من الألم بإبعاده، لا باستيعابه. وهذا ما رأيناه مع كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره: أن ما ننكره في أنفسنا – ضعفنا، خوفنا، احتياجنا – هو غالبًا ما نرفض رؤيته في الآخرين أيضًا، فنحكم عليهم بدل أن نتعرّف على أنفسنا فيهم. اللطف، بهذا المعنى، ليس فضيلةً منفصلة عنّا نمارسها تجاه الغرباء، بل مصالحةٌ مع الجزء منّا الذي يعرف الألم جيدًا.
حين يصير الشعر جدارًا مشتركًا
عاشت القصيدة رحلةً تستحق أن تُروى: كُتبت في شيراز في القرن الثالث عشر، وترجمها المستشرقون إلى عشرات اللغات على مدى قرون، حتى وجدت طريقها، عام 2005، إلى سجادةٍ منسوجةٍ خصيصًا لتُعلَّق على جدار إحدى قاعات مقر الأمم المتحدة في نيويورك – وهي، على الأرجح، أقرب ما وصلت إليه أي منظمة دولية من الاعتراف بأن الشعر قد يقول ما تعجز عنه المواثيق. لكن سعدي نفسه لم يكن يكتب لمؤسسةٍ ولا لعصرٍ بعينه؛ كان يكتب لأي إنسانٍ يقرأ سطوره في أي زمان، ويسأل نفسه، ولو للحظة، عمّن يتألم الآن دون أن يعرف أحد.

وهذا بالضبط ما تقترحه محطتنا القادمة في هذه الرحلة: أن الاعتدال – التوازن الداخلي الذي لا يُفرط ولا يحرم – يبدأ من المكان نفسه الذي يبدأ منه اللطف، وهو الانتباه الصادق لما هو أمامنا، بلا زيادة ولا نقصان. تجد هذه المحطة في مقال الميزان الداخلي. ومن أراد أن يرى كيف يتجلّى اللطف في أفعالٍ صغيرة لا يراها أحد، ستجده في مقالي أفعالٌ لا تُروى والطفل الذي قاد الأعمى، ومن أراد الجملة التي اختصر بها هنري جيمس معنى الحياة كلها، ستجدها في مقال جملةٌ قالها ثلاث مرّات.
ودواء الحسد – ذلك الألم الذي نشعر به من خير ليس لنا – هو، على نحوٍ يبدو متناقضًا لأول وهلة، النوع نفسه من الانتباه الذي يعلّمنا إياه سعدي: أن ننظر إلى الآخر نظرةً كاملة حتى نراه، لا حتى نقارن أنفسنا به. تجد هذا الدواء في مقال اللص الذي فينا لا في الجار. وحين نتعلّم أن نشعر بألمٍ ليس لنا، نكتشف أننا لسنا معزولين كما ظننا يومًا: نحن، كما قال سعدي منذ ثمانية قرون، أعضاء جسدٍ واحد، وكل لطفٍ صغير نمنحه لغريبٍ هو في الحقيقة رعايةٌ لأنفسنا، من الطرف الآخر للجسد نفسه.

