لوحة بالتمبرا على خشب تصوّر رجلًا مسنًّا وابنه الشاب واقفَين معًا بحنان، للفنان دومينيكو غيرلاندايو، نحو 1488
دومينيكو غيرلاندايو، «فرانشيسكو ساسيتي وابنه تيودورو»، نحو 1488 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في صيف 1902، جاء بيلي جيمس، ابن أخيه الفيلسوف وليام جيمس، ليزور عمّه الروائي هنري جيمس في إنجلترا. كان بيلي شابًّا يافعًا يقف على أعتاب حياته، وربما توقّع من عمّه الكاتب المرموق نصيحةً طويلة عن الأدب أو النجاح أو كيف يُصبح المرء رجلًا صالحًا. لكن هنري جيمس، الذي أمضى حياته يبني جملًا معقّدة الطبقات في رواياته، اختار هذه المرة أبسط جملةٍ ممكنة، وقالها ثلاث مرّات متتالية، وكأن التكرار نفسه جزءٌ من المعنى:

ثلاثة أشياء مهمة في حياة الإنسان. الأول أن نكون لطفاء. الثاني أن نكون لطفاء. والثالث أن نكون لطفاء.هنري جيمس لابن أخيه بيلي، 1902، كما رواه الكاتب ليون إيدل في سيرته

حين يكفي أن نقول الشيء نفسه ثلاث مرات

ولم يكن هنري جيمس رجلًا سطحيًّا يكرّر الكلام لعجزه عن قول ما هو أعمق؛ فهو صاحب بعض أكثر الروايات دقّةً في تحليل النفس البشرية في تاريخ الأدب الإنجليزي. ولذلك يستحق تكراره هنا وقفةً: فحين يقول شيئًا واحدًا ثلاث مرّات، فهو لا يكرّر لأنه لا يجد كلمة أخرى، بل لأنه يعرف أن اللطف ليس فكرةً تحتاج شرحًا، بل ممارسةً تحتاج تكرارًا. قد نفهم اللطف من أول مرة، لكننا لا نتقنه إلا حين نمارسه المرة تلو الأخرى، في كل موقفٍ صغير يمرّ بنا دون أن ننتبه إليه.

لوحة زيتية لرجل يفحص شيئًا صغيرًا عبر عدسة مكبّرة بانتباه شديد، للفنان رامبرانت، أوائل ستينيات القرن السابع عشر
رامبرانت فان راين، «رجلٌ بعدسة مكبّرة»، أوائل ستينيات القرن السابع عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

الروائي الذي لا يفوته شيء

وهذا الانتباه للتفاصيل الصغيرة لم يكن غريبًا عن هنري جيمس؛ فهو نفسه من نصح الكتّاب الشباب بجملةٍ صارت من أشهر ما قيل في فن الكتابة: “حاول أن تكون واحدًا ممّن لا يفوتهم شيء”. وما كتبه عن الكتابة كان في جوهره وصفًا لكل لطفٍ حقيقي: فاللطيف فعلًا هو من ينتبه، من يرى التفصيل الصغير الذي يحتاجه الآخر ولا يراه أحدٌ سواه، الكلمة التي تُقال في التوقيت المناسب، أو السكوت الذي يُحفظ حين لا حاجة للكلام. وكما تأمّلنا في مقال الانتباه أندرُ أشكال الكرم، فإن سيمون فايل رأت الشيء نفسه من زاويةٍ أخرى: أن الانتباه الحقيقي للآخر هو أسخى ما يمكن أن نقدّمه، لأنه يتطلّب أن ننسى أنفسنا قليلًا لنرى شخصًا غيرنا بوضوح.

حاول أن تكون واحدًا ممّن لا يفوتهم شيء.هنري جيمس، فن الرواية، 1884

ولعلّ هذا يفسّر أيضًا لماذا لم يكتفِ هنري جيمس بجملةٍ واحدة، بل احتاج إلى ثلاث: لأن اللطف الذي يقتصر على مرةٍ واحدة قد يكون مجاملة عابرة، لكن اللطف الذي يتكرّر ثلاث مرّات، وألف مرة بعدها، يصبح طبعًا، لا حادثةً استثنائية. واللافت أن جيمس نفسه، رغم شهرته بالصرامة النقدية تجاه أعمال أصدقائه، لم ير في هذا تناقضًا: فالصدق واللطف عنده لم يكونا خصمين، بل وجهين لاهتمامٍ واحد بالآخر. فحين كان يقرأ رواية صديقٍ عزيز، لم يمنحه مجاملاتٍ فارغة، بل قراءةً متأنّية تليق باحترامه له؛ وهذا نوعٌ آخر من اللطف، أعمق من الابتسامة السريعة: أن نأخذ الآخر على محمل الجدّ.

لوحة زيتية لامرأة تقرأ رسالة حب بانتباه وحنان، للفنان جان أونوريه فراغونار، أوائل سبعينيات القرن الثامن عشر
جان أونوريه فراغونار، «رسالة الحب»، أوائل سبعينيات القرن الثامن عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وهذه هي هدية هنري جيمس الحقيقية لنا اليوم: أننا لسنا بحاجة إلى فلسفةٍ معقّدة لنعرف كيف نعامل من حولنا، بل إلى جملةٍ واحدة نكرّرها حتى تصير عادة. وكما نتعلّم من مقال اللص الذي فينا لا في الجار أن دواء الحسد هو أن نتمنّى الخير لغيرنا، فإن دواء الغفلة عن الآخرين أبسط من ذلك: أن نكون لطفاء، ثم لطفاء، ثم لطفاء مرةً أخرى، حتى يصبح اللطف هو الصوت الأول الذي نسمعه في داخلنا، لا الاستثناء الذي نتذكّره بعد فوات الأوان.