رسم إيطالي من القرن السادس عشر يصوّر سيزيف يدفع صخرة وتانتالوس يعذَّب بالعطش والجوع الأبديين
فنّان إيطالي مجهول، «سيزيف وتانتالوس»، القرن السادس عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

حُكم على سيزيف في الأسطورة اليونانية أن يدفع صخرةً إلى أعلى تلّة، فتتدحرج إلى القاع كلما بلغ القمة، فيعود ليدفعها من جديد إلى الأبد. لم تكن العقوبة في ثقل الصخرة، بل في أن الجهد لا يصل يومًا إلى نهاية؛ فكل إنجازٍ يُمحى بمجرد تحقّقه، ويبدأ السعي من الصفر مرّة أخرى. وهذه الصورة، رغم قِدمها، تصف بدقّةٍ مؤلمة شعورًا يعرفه كثيرون اليوم: صندوق بريدٍ يفرغ ليمتلئ، ومهمّةٌ تُنجَز لتحلّ محلّها عشر غيرها، وشعورٌ دائم أن «كفى» كلمةٌ لا تنطبق على حياتنا.

وقد صار لهذا الشعور اسمٌ طبي معترف به عالميًّا. فقد عرّفته عالمة النفس كريستينا ماسلاش، الرائدة في دراسته من جامعة بيركلي، بأنه:

استجابةٌ ممتدّة لضغوطٍ عاطفية وشخصية مزمنة في العمل.كريستينا ماسلاش · تعريف الإنهاك الوظيفي (Burnout)

ولاحظ في هذا التعريف كلمة «مزمنة»: فالإنهاك ليس تعبًا بعد يومٍ شاق، بل حالة تتراكم حين لا يتوقّف الضغط أبدًا ليلتقط الجسد والعقل أنفاسهما. وقد اعترفت منظمة الصحة العالمية بهذه الحالة رسميًّا عام 2019 ضمن تصنيفها الدولي للأمراض، وهو اعترافٌ متأخّر بشيءٍ عاشه ملايين الناس منذ سنين طويلة دون أن يجدوا له اسمًا سوى «هكذا هي الحياة».

حين يصير الإرهاق دليل جدارة

لوحة الحدّاد لآرت فان دير نير، رجل يعمل عند كير الحدادة ليلًا وسط شرارة النار
آرت فان دير نير، «الحدّاد»، أوائل أو منتصف خمسينيات القرن السابع عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذه اللوحة، حدّادٌ يعمل ليلًا عند نارٍ متّقدة، بعد أن نام الجميع. وهذا المشهد بالذات — العمل حين يستريح الآخرون — تحوّل في ثقافتنا المعاصرة إلى ما يشبه شارة الشرف: الاستيقاظ في الرابعة فجرًا، والفخر بأننا لم ننم، والحديث عن الإرهاق في اجتماعات العمل وكأنه ميدالية لا عبء. وقد وصفت الصحفية آن هيلين بيترسون هذا الشعور في مقالها الشهير عن جيلها بجملةٍ بسيطة وقاسية:

ليس عارضًا مؤقتًا: إنه حال جيل الألفية.آن هيلين بيترسون · «كيف صار جيل الألفية جيل الإنهاك»، 2019

والمفارقة أن هذا كله يُقدَّم غالبًا باسم الهمّة، وكأن الإرهاق دليلٌ على قوّة العزيمة. لكن الهمّة، كما تأمّلناها في مقال قطرةٌ تُداوم تثقب الصخر، ليست نارًا كبيرة تحرق نفسها في ليلةٍ واحدة، بل نارٌ صغيرة تستمر لأنها لا تستهلك كل وقودها دفعة واحدة. القطرة التي تثقب الصخر لا تفعل ذلك باندفاعٍ عنيف، بل باستمرارٍ هادئ يمتدّ سنين؛ فلو تحوّلت القطرة إلى فيضان، لجرفت نفسها قبل أن تبلغ الصخر أصلًا.

وهنا مفارقةٌ تستحق التأمّل: أن الإنهاك المُقنَّع بالهمّة قد يكون، في جوهره، وجهًا آخر لِما تأمّلناه في مقال الكسل بوصفه خوفًا متنكّرًا. فكما يهرب الكسول من البداية خوفًا من مواجهة نفسه، يهرب المُنهِك نفسَه من التوقّف للسبب نفسه بالضبط: فكلاهما يخشى تلك اللحظة الصامتة التي يُضطرّ فيها الإنسان أن يسأل نفسه ماذا يريد فعلًا، لا ماذا يُنجز. أحدهما يملأ الفراغ بالخمول، والآخر يملأه بالانشغال، لكن كلاهما يهرب من السكون ذاته.

لوحة تلّة جاليه في بونتواز لكاميل بيسارو، منظر ريفي هادئ لحقول وأشجار تحت سماء صافية
كاميل بيسارو، «تلّة جاليه، بونتواز»، 1867 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذا المنظر الريفي الهادئ، لا أثر لعجلة: حقولٌ استراحت بعد حصادها، وأشجارٌ تنمو بسرعتها الخاصة لا بسرعة السوق. وهذه الصورة تذكّرنا بما تأمّلناه في مقال القصبة التي تئنّ عن الرومي والفصول: أن الأرض التي تُترَك لتستريح موسمًا ليست أرضًا مهملة، بل أرضٌ تستعدّ لثمرٍ أوفر. وهذا بالضبط ما تنساه ثقافة الإنجاز حين تُعامل الراحة كأنها خيانة للهمّة، بينما هي في الحقيقة جزءٌ لا يتجزّأ منها: فلا فلاحٍ يزرع الأرض نفسها دون كللٍ في كل المواسم ويتوقّع منها أن تستمر بالعطاء.

نارٌ تستمرّ لأنها تتنفّس

وليس الحلّ أن نتخلّى عن الطموح أو نستسلم للركود باسم «التوازن»، بل أن نميّز بين نارٍ تُغذّى بحكمة فتبقى، ونارٍ تُشعَل بكل ما نملك فتحرق نفسها في ليلة. ومن يتعلّم أن يتوقّف قبل أن يُجبَره الإنهاك على التوقّف، يكتشف أن الراحة لم تكن يومًا عدوّة الإنجاز، بل شريكته الصامتة التي تجعل الاستمرار ممكنًا أصلًا. وهكذا تصير الهمّة الحقيقية أخفّ ممّا نظنّ: ليست أن نحمل كل شيء الآن، بل أن نثق أن الغد سيأتي بفرصةٍ أخرى لنحمل قليلًا منه، فنمضي أعوامًا لا لياليَ فحسب.