لوحة عاجية منحوتة من قرطبة، تصوّر طاووسًا وراقصين وثعالب بزخرفة أندلسية دقيقة
لوحةٌ من صندوقٍ عاجي، قرطبة، أواخر القرن العاشر أو أوائل الحادي عشر — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في قرطبة نفسها، وفي العقود التي صُنع فيها هذا الصندوق العاجي المزيّن براقصين وطواويس، وُلد فقيهٌ سيصير أشهر من كتب عن الحبّ في تاريخ العربية، رغم أنه كان من أشدّ الفقهاء تمسّكًا بظاهر النصّ: عليّ بن حزم (994–1064). فحين انهارت الخلافة الأموية في الأندلس وتفرّقت شمل أسرته وأصدقائه ومحبوباته، لم يكتب ابن حزم عن السياسة التي حطّمت حياته، بل كتب «طوق الحمامة في الإلفة والألّاف»، وهو أقرب ما يكون إلى دراسةٍ نفسية دقيقة لحالات القلب حين يقع في الهوى.

والمدهش في هذا الكتاب أن رجل الفقه الصارم يبدأ حديثه عن الحبّ بلا خجلٍ ولا إدانة، بل بتعريفٍ يجمع بين الرقة والدقة معًا:

الحبّ، أعزّك الله، أوّله هزلٌ وآخره جدّ، دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تُدرَك حقيقتها إلا بالمعاناة؛ وليس بمنكرٍ في الديانة، ولا بمحظورٍ في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عزّ وجلّ.ابن حزم · «طوق الحمامة»

وفي هذه الجملة الأخيرة تحديدًا يكمن موقف ابن حزم الفريد: فهو لا يرى في الرغبة عيبًا يُخجَل منه، بل قوّةً من صنع الله نفسه، توضع في القلب دون استئذانه. وهذا يشبه ما تأمّلناه في مقال الشهوة: أن الرغبة ضيفٌ لا نستطيع أن نمنعه من الدخول، لكننا نملك أن نقرّر أين يجلس. وابن حزم، بدل أن يُدين هذا الضيف، جلس يرصد سلوكه بدقّة عالمٍ لا بغضب واعظ.

حين تلين الصلابة

وقد لاحظ ابن حزم شيئًا يستحق التأمّل: أن الحبّ لا يصيب الضعفاء وحدهم، بل يبلغ أشدّ الناس صلابةً فيغيّرهم من الجذور. وصف ذلك في عبارةٍ تكاد تُرى بالعين:

وترى المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، جموح القيادة، ماضي العزيمة، حَمِيّ الأنف، أبيّ الخسف، فما هو إلا أن يتنسّم نسيم الحبّ، ويتورّط غمره، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة ليّنًا، والصعوبة سهولة، والمضاء كلالة، والحميّة استسلامًا.ابن حزم · «طوق الحمامة»
لوحة خزفية بعنوان لمّة في الحديقة من أصفهان، رجال ونساء يتنزّهون بين الأشجار والزهور
«لمّة في الحديقة»، لوحة خزفية، أصفهان، 1640–1650 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وهذا التحوّل الذي وصفه ابن حزم — من الشراسة إلى الليونة، من الحميّة إلى الاستسلام — يمكن أن يُقرأ بطريقتين متضادّتين. فمن جهة، هو تحوّلٌ نبيل: القلب المتحصّن يتعلّم أخيرًا أن يفتح بابه، والكبرياء الذي وصفناه في مقال الظلّ الذي ننكره يجد في الحبّ ما يهزّه برفقٍ لا بعنف. ومن جهةٍ أخرى، هو تحوّلٌ خطر: فحين يعوم الإنسان في بحر رغبته دون أن يملك دفّةً، يصير الاستسلام استعبادًا لا انفتاحًا، ويقود الحبّ نفسه صاحبَه إلى الغيرة والشكّ والوَشاية، وهي أبوابٌ خصّص لها ابن حزم فصولًا كاملة في كتابه، لأنه عرف الحبّ من وجهيه معًا: النور والظلمة اللذين يصحبان بعضهما دائمًا.

وهنا الفارق الدقيق الذي يستحق أن نتوقّف عنده: ليست المشكلة في قوّة الرغبة نفسها، بل في مَن يقود مَن. فحين تلين الشراسة لأن القلب اختار أن ينفتح، فذلك نضجٌ يستحق أن يُحتفى به؛ أما حين يذوب الإنسان في هوى لا يملك منه شيئًا، فيصير أسير غيابٍ لم يقع بعد أو خوفٍ من فقدٍ لم يحدث، فتلك هي الرغبة وقد قلبت الأدوار وصارت هي السيّدة. وابن حزم، الفقيه الذي عاش أواخر أيامه في عزلةٍ ومنفى بعد أن خسر بلاطه وأصدقاءه، كان يكتب عن هذا الخيط الرفيع من خبرةٍ لا من نظرية فحسب.

منمنمة فارسية من الشاهنامة تصوّر عرس سياووش وفرنكيس وسط موسيقيين ومحتفين
«عرس سياووش وفرنكيس»، ورقة من شاهنامة الشاه طهماسب، تبريز، نحو 1525–1530 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذه اللوحة، عرسٌ يحتفل بالحبّ في أكمل صوره: اجتماعٌ، وموسيقى، ووعدٌ يتحقّق. وهذه هي الصورة التي يذكّرنا بها ابن حزم حين يكتب أن الحبّ ليس بمنكرٍ في الديانة: أنه حين يُعاش في اتّزانه، لا يُخرِج الإنسان من إنسانيته بل يُدخِله فيها أعمق، فيصير أكثر رقّةً لا أقلّ قوّة، وأكثر عطاءً لا أكثر جشعًا. والفرق بين هذا العرس وبين الأسر الذي حذّر منه ابن حزم في فصوله عن الهجر والغيرة، هو أن الأول رغبةٌ اختارت أن تُثمر عطاءً مشتركًا، والثاني رغبةٌ بقيت حبيسة داخل صاحبها وحده.

أن نُدجَّن لا أن نُقهَر

ولعلّ أجمل ما في وصف ابن حزم أنه لم يطلب من الإنسان أن يقاوم هذا التحوّل أو يخجل منه، بل أن يعرف اتجاهه: فليونةٌ تأتي من الثقة والانفتاح نعمة، وليونةٌ تأتي من الذوبان والخوف من الفقد قيدٌ يستحق أن نلتفت إليه. ومن يتعلّم أن يفرّق بين الاثنين يكتشف أن الرغبة، حين تُقاد لا حين تُقمَع، تصير أقرب صديقٍ يعرّفه بأجزاءٍ من قلبه ظنّ أنها ماتت أو لم تكن يومًا موجودة، فيخرج من تجربة الحبّ لا أضعف ممّا كان، بل أكثر اتّساعًا لكل ما هو حيّ فيه.