
يحكي جوانغ تزو، الفيلسوف الصيني الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، عن ضفدعٍ يعيش في بئر ضيّقة. كان الضفدع سعيدًا بمملكته الصغيرة: يقفز بين الطحالب، يستريح على حافة الحجر، ويرى فوقه دائرة سماءٍ بحجم فوهة البئر لا أكثر. وحين حاول أحدهم أن يصف له البحر — تلك المياه التي لا يُرى لها شاطئ، والتي لا تنقص في الجفاف ولا تزيد في الفيضان — عجز الضفدع أن يتخيّل شيئًا كهذا؛ فبئره، في ذهنه، هو العالم كله، وما بعده لا وجود له أصلًا. لم يكذب الضفدع، ولم يتباهَ بلا سبب؛ هو فقط لم يرَ يومًا غير بئره، فظنّ حدود رؤيته حدود الوجود نفسه.
لا تحدّث ضفدع البئر عن البحر، فهو أسيرُ حدود مسكنه.جوانغ تزو · كتاب جوانغ تزو، فصل «فيضانات الخريف»، نحو القرن الرابع ق.م
كبرياءٌ لا تحتاج صخبًا
ونادرًا ما ننتبه أن هذا هو وجه الكِبْر الأكثر شيوعًا، وإن كان أقلّها ضجيجًا. نتخيّل المتكبّر إنسانًا يرفع صوته ويحتقر من حوله، بينما الكِبْر الحقيقي غالبًا أهدأ من ذلك بكثير: أن نظنّ، بصمتٍ ودون قصد، أن ما نعرفه هو كل ما يستحق أن يُعرف، وأن طريقتنا في رؤية الأشياء هي الطريقة الوحيدة الممكنة. وهذا قريبٌ جدًا مما رأيناه مع كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره: أن الأنا، حين تنتفخ، لا تشعر بأنها متكبّرة؛ هي فقط تنسى أن هناك ما هو أوسع منها، تمامًا كما ينسى الضفدع أن هناك بحرًا خارج بئره.

الأنا التي تخاف الاتساع
ولعل السؤال الأهم ليس: كيف نتجنّب أن نكون ذلك الضفدع؟ بل: لماذا يتردّد كثيرٌ منا في الخروج من بئره حتى حين تُتاح له الفرصة؟ جزءٌ من الجواب رأيناه مع جين أوستن في مقال كبرياءٌ لا يحتاج جمهورًا: أن الكبرياء تتغذّى غالبًا على الفارق بين رأينا في أنفسنا وما يظنّه الآخرون فينا؛ فحين نتّسع، نخاطر بأن نكتشف أن صورتنا عن أنفسنا كانت أضيق مما تخيّلنا. وهذا ما يجعل البئر، رغم ضيقها، مكانًا آمنًا نتردّد في مغادرته. ورأينا الفكرة نفسها من زاويةٍ أخرى مع سي. إس. لويس في مقال سباقٌ لا يفوز فيه أحد: أن الكبرياء ليست فخرًا بشيءٍ نملكه، بل مقارنةً دائمة تُبقينا محبوسين في سباقٍ لا آخر له.
الإنسان الكامل لا ذات له؛ والقدّيس لا فضل يُنسب إليه؛ والحكيم لا شهرة له.جوانغ تزو · كتاب جوانغ تزو، فصل «التجوال الحرّ السعيد»، نحو القرن الرابع ق.م

وهذا بالضبط ما يقترحه جوانغ تزو دواءً: ليس أن نحتقر أنفسنا، بل أن نتوقف عن التشبّث بها. فالضفدع لا يحتاج أن يكره بئره ليرى البحر؛ يحتاج فقط أن يقفز إلى حافتها ويطلّ. والإنسان لا يحتاج أن يجلد ذاته ليتّسع، بل أن يسمح، ولو للحظة، بأن يكون رأيه في نفسه أصغر من الحقيقة، لا أكبر منها. وهذا ما رأيناه بصيغةٍ مختلفة في مقال ثقلٌ نحمله باسم الكمال: أن راحة قول «لا أعرف» ليست هزيمة، بل أول خطوةٍ خارج البئر.
ومحطتنا التالية في هذه الرحلة تنتظرنا في مقال الجوع الذي لا يشبع، حيث نكتشف أن الجوع الذي لا يشبعه الامتلاك يشبه، في جوهره، بئرًا آخر نظنّه بحرًا. فالحكمة نفسها تتكرر بوجوهٍ مختلفة في كل محطةٍ من رحلتنا: أن العالم أوسع مما تراه عيوننا الصغيرة، وأن أجمل ما يمكن أن يحدث لنا هو أن نكتشف ذلك، لا أن نظلّ نخاف اكتشافه.

