
لم يكن ليف تولستوي محرومًا من شيء حين بدأت أزمته الكبرى. كان في التاسعة والأربعين من عمره، بعد أن أنجز روايتيه الخالدتين، تحيط به زوجةٌ تحبّه وأطفالٌ يكبرون، وضيعةٌ واسعة تنمو من غير عناء يُذكر، وشهرةٌ بلغت أصقاع أوروبا. ومع ذلك، يروي في كتابه «اعتراف» (1882) أنه بلغ نقطةً توقّفت عندها الحياة نفسها: كان يستطيع أن يأكل ويشرب وينام، لكن لم يبقَ فيه شيءٌ يستحقّ أن يُسمّى رغبة. وحين حاول أن يتخيّل ما الذي سيطلبه لو مُنح القدرة على طلب أيّ شيء، لم يجد جوابًا: «لو جاءتني جنّيّة وعرضت أن تحقّق لي كل ما أريد، ما كنتُ لأعرف ماذا أطلب» — على حدّ تعبيره.
وليصف تلك الحال بدقّة، استعاد تولستوي حكايةً شرقيةً قديمة سمعها منذ زمن بعيد:
رجلٌ يهرب من وحشٍ مفترس عبر سهلٍ فسيح، فيقع في بئرٍ جافّة. وفي قاع البئر تنّينٌ فاغرٌ فاه لابتلاعه. لا يجرؤ على الصعود خشية الوحش، ولا على النزول خشية التنّين، فيتشبّث بغصن شجيرةٍ تنبت في شقّ الجدار. لكنّ فأرين، أحدهما أسود والآخر أبيض، يدوران حول الغصن ليل نهار يقرضانه بلا توقّف. وبينما ينتظر الرجل النهاية المحتومة، تقع عيناه على قطراتٍ من عسلٍ على أوراق الغصن، فيمدّ لسانه ليلعقها.ليف تولستوي · «اعتراف»، الفصل الرابع، 1882
وهذه، كما يقول تولستوي، كانت صورة حياته: يتشبّث بغصن العمر وهو يعرف أن تنّين الموت ينتظره في الأسفل، بينما الليل والنهار — الفأر الأسود والأبيض — يقرضان بلا كللٍ الغصن الذي يتعلّق به. ومع ذلك، ظلّ يمدّ لسانه نحو العسل: الكتابة، الشهرة، ملذّات الحياة التي عرفها. لكنه يعترف بصدقٍ مؤلم أن ذلك العسل، في تلك المرحلة من حياته، لم يعد له طعمٌ حلو. لم يكن ناسكًا يزهد المتعة نظريًّا، بل رجلًا ذاق كل ما تشتهيه النفس ووجد أن الشهوة، حين تُشبَع، لا تكفّ عن الطلب؛ هي التي تقود اللسان إلى العسل، لا حاجةٌ حقيقية.
عادةٌ نُطعمها، لا رغبةٌ نريدها

ما يجعل حكاية تولستوي أعمق من مجرّد تشاؤم هو ملاحظته أن اللعق نفسه صار عادةً، لا رغبة. ففي الفصل نفسه يعترف أنه، حتى في لحظات الغفلة عن الحقيقة، كان يشعر بشيء يشبه الرغبة القديمة، لكنه في لحظات الصحو كان يعرف أنه وهمٌ لا شيء وراءه. وهذا بالضبط ما تحدّثنا عنه في مقال بندولٌ لا يستقر، حين رأى شوبنهاور أن الرغبة، إذا أُشبعت، لا تمنحنا سكونًا بل رغبةً جديدة تحلّ محلّها؛ واللذة، مهما تكرّرت، تحتاج جرعةً أكبر لتُحدث الأثر نفسه. وكما تحدّثنا في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن ما لا نواجهه بوعي يستمرّ يقودنا من تحت: كان تولستوي يلعق العسل تلقائيًّا، بلا تفكير، تمامًا كما تعمل العادة حين تحلّ محلّ الرغبة الواعية.
ولعلّ هذا هو جوهر الشهوة كما تراها هذه المحطة من رحلتنا: ليست في أصلها شرًّا، فالرغبة في الطعام والراحة والجمال جزءٌ من طبيعتنا، تمامًا كما رأينا في مقال حصانٌ نمتطيه لا يمتطينا. لكنها تتحوّل إلى قيدٍ حين تصير غايةً في ذاتها، حين نلعق العسل لا لأننا جائعون، بل لأن اللسان تعوّد الحركة نحوه.
وما أنقذ تولستوي، في النهاية، لم يكن مزيدًا من العسل، ولا نُذورًا بالزهد المطلق، بل تغييرٌ في الاتجاه. ففي فصلٍ لاحق من الكتاب، يصف حالته بصورة أخرى: قاربٌ دُفع به بعيدًا عن شاطئٍ، وتُرك له مجدافان، فانساق مع التيار كما ينساق كثيرون سواه، حتى سمع هدير الشلالات القريبة:
وحين نظرتُ خلفي، رأيتُ قواربَ أخرى لا تكفّ عن الجذف عكس التيار، فتذكّرتُ الشاطئ والمجدافين والاتجاه، وبدأتُ أجذف صعودًا، عائدًا نحو الشاطئ.ليف تولستوي · «اعتراف»، الفصل الثاني عشر، 1882

لم يكن الفرق بين الانجراف والعودة فرقًا في القوّة، بل في الاتجاه. الغصن نفسه، والعسل نفسه، لكنّ يدًا واحدة عرفت أن تتوقّف عن اللعق العشوائي وتبدأ الجذف بقصد. وهذا بالضبط ما تعنيه المحطة المقابلة لهذا الداء في رحلتنا، الميزان الداخلي: لا حرمانٌ يُطفئ الرغبة، ولا إفراطٌ يُشبعها، بل اتجاهٌ نختاره بوعي فنستعيد به المجدافين. وكما وجد ابن حزم أن الحبّ قد يصير أسْرًا حين لا نملك زمامه، كما رأينا في مقال طوق الحمامة، وكما اعترف أوغسطينوس أن قلبه ظلّ يطلب العفّة «ولكن ليس الآن» في مقال أعطني العفّة، ولكن ليس الآن، وجد تولستوي أن يد الرغبة نفسها، إذا وُجِّهت، تصير مجدافًا لا شركًا.
واليوم، حين نجد أنفسنا نلعق عسلًا فَقَد حلاوته منذ زمن — من عادةٍ لا من رغبة — يبقى السؤال الذي تركه لنا تولستوي بسيطًا وصعبًا في آنٍ: هل نكتفي بالانجراف، أم نتذكّر الشاطئ؟ فحين نتعلّم أن ننظر إلى ما نشتهيه لا بعين العادة بل بعين الاختيار، لا نتوقّف عن الرغبة، بل نبدأ أخيرًا في رغبة ما يستحقّ فعلًا أن نريده — وهو الدرس نفسه الذي تحمله محطتنا التالية في هذه الرحلة، حين تتحوّل مقارنتنا بالآخرين، في مقال حين يبرد طعامنا ونحن ننظر إلى صحن الجار، إلى فرحٍ بما لدينا بدل التوق الدائم إلى ما لدى غيرنا.

