
في مسرحية أوسكار وايلد «مروحة الليدي وندرمير» (1892)، ينطق اللورد دارلينغتون — الشخصية الساخرة التي تحمل غالبًا صوت وايلد نفسه على الخشبة — بجملةٍ صارت من أشهر ما قيل عن الرغبة في اللغة الإنجليزية كلها، خفيفةً كنكتة، لكنها تحمل اعترافًا لا يجرؤ كثيرون على قوله بصراحته.
أستطيع أن أقاوم كل شيء إلا الإغراء.أوسكار وايلد · «مروحة الليدي وندرمير»، الفصل الأول، 1892
والطريف أن الجملة، على خفّتها، تصف حالًا يعرفها كل إنسان: أننا لا نُهزَم أمام الرغبة في العموم، بل أمام إغراءٍ بعينه، في لحظةٍ بعينها، حين تضعف حراستنا قليلًا. ولم يكتفِ وايلد بهذه الملاحظة العابرة؛ فقبل ذلك بعامٍ واحد، كان قد نشر روايته الوحيدة «صورة دوريان غراي» (1891)، ليأخذ الفكرة نفسها إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه، ويريَنا ثمنها كاملًا.
الصورة التي تحمل عنّا الثمن
يهب الرسّام بازل هولوارد الشابّ الجميل دوريان غراي لوحةً هي صورته، فيتمنى دوريان — بلا تفكير، كما تُقال الأمنيات العابرة — أن تشيخ اللوحة بدلًا منه، وأن يبقى هو على شبابه إلى الأبد. وتتحقق الأمنية. فيمضي دوريان حياته يطارد كل رغبةٍ تعرض له دون رادع، بينما وجهه في المرآة لا يتغيّر أبدًا — لكن اللوحة المخبوءة في العلّية تحمل عنه كل أثر: كل قسوةٍ، كل خيانة، كل شهوةٍ لم يكبحها، ترتسم على الوجه المرسوم، لا على وجهه هو.

وهذه هي الحيلة التي يعيش بها كثيرون منّا دون لوحةٍ سحرية: أن نظنّ أن ما لا نراه لم يحدث. نسمح لأنفسنا برغبةٍ صغيرة، ثم أخرى، ونخبّئ الأثر — لا في علّيةٍ، بل في زاويةٍ من الوعي لا نزورها كثيرًا. وكما وصفه كارل يونغ بعد وايلد بأربعين عامًا تقريبًا في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن كل ما ننكره عن أنفسنا لا يختفي، بل ينتظر في الظلّ، ويكبر هناك بصمتٍ، حتى يخرج يومًا في هيئةٍ لا نتحكّم فيها.
حين تصير الفلسفة مصيدة
ويضع وايلد على لسان اللورد هنري ووتن، معلّم دوريان في هذه الفلسفة، الجملة التي ستقود بطل الرواية إلى الهاوية:
الطريقة الوحيدة للتخلّص من إغراءٍ هي أن نستسلم له. قاومه، وتمرض روحك شوقًا لِما حرّمته على نفسها.أوسكار وايلد · «صورة دوريان غراي»، الفصل الثاني، 1891
وتبدو النصيحة في ظاهرها تحريرًا: لماذا نُتعب أنفسنا بالمقاومة إن كان الاستسلام أخفّ؟ لكن الرواية نفسها هي الردّ الأوفى على هذه الفلسفة؛ فدوريان، الذي يطبّق نصيحة معلّمه حرفيًّا طوال الكتاب، لا يجد في نهاية المطاف تحررًا، بل عبوديةً أثقل: عبودية رغباتٍ لا تشبع أبدًا، وصورةً في العلّية تزداد قبحًا كلما أمعن في تلبية كل نزوة. وحين يطعن دوريان اللوحة أخيرًا محاولًا التخلّص من شاهده الصامت، يموت هو، بينما تعود اللوحة إلى جمالها الأول — وكأن الرواية تقول: لا يمكن أن نهرب من أنفسنا بقتل ما يذكّرنا بها.

وايلد نفسه عاش، بعد سنواتٍ من كتابة الرواية، صدى مأساويًّا لما تخيّله: أُدين ودخل السجن، وفَقَد كل ما بناه من شهرةٍ وأناقة. وفي رسالته الطويلة من السجن، «دي بروفوندس»، كتب بنبرةٍ مختلفة تمامًا عن نبرة اللورد هنري الساخرة — نبرة رجلٍ رأى أخيرًا الفرق بين رغبةٍ نقودها وأخرى تقودنا.
وهذا بالضبط ما يعد به مقال الميزان الداخلي: أن الرغبة ليست عدوًّا يجب إبادته، ولا سيّدًا يجب طاعته، بل ضيفًا نستقبله بوعي، فنعرف متى نفتح له الباب ومتى نُبقيه مغلقًا. وكما رأينا مع شوبنهاور في مقال بندولٌ لا يستقر، فإن الرغبة التي نظنّها ستُشبعنا لو لبّيناها، تلد رغبةً جديدة فور أن نلبّيها — إلا حين نتعلّم أن ننظر إليها بوضوح، لا أن نهرب منها بالاستسلام الأعمى ولا بالمقاومة العمياء.
وربما هذا هو الدرس الهادئ الذي تركه لنا وايلد، رغم مأساته الشخصية: أن أجمل ما فينا لا يُحفَظ بإخفاء ما نخشاه من أنفسنا، بل بمواجهته في وضح النهار، حتى لا تحتاج أرواحنا لوحةً في علّيةٍ تحمل عنّا ما لم نجرؤ على رؤيته. وللشهوة حين تُروَّض دواءٌ آخر يرويه ابن حزم في مقال طوق الحمامة، وللداء دواءٌ ننتظره في محطةٍ قادمة من هذه الرحلة، حين نتعلّم كيف نتحوّل من مقارنةٍ مؤلمة إلى فرحٍ صادق بخير الآخرين، في مقال اللص الذي فينا لا في الجار.
