في طفولتنا، كانت الأسئلة أصدقاءنا. نسأل عن كل شيء: لماذا السماء زرقاء؟ أين يذهب النهار حين يأتي الليل؟ ثم كبرنا، وتعلّمنا شيئًا غريبًا: أن السؤال ضعف، وأن من لا يملك جوابًا جاهزًا عليه أن يصمت. هكذا، شيئًا فشيئًا، صارت الحيرة عندنا عيبًا نخفيه، وصار أهل اليقين السريع هم من نُعجب بهم، لا أهل السؤال الصبور.
لكن راقب من حولك جيدًا. أكثر الناس ثباتًا ليسوا بالضرورة أكثرهم يقينًا. بل كثيرًا ما يكونون أكثرهم قدرة على الجلوس مع سؤالٍ لم يُحسم بعد، دون أن ينهاروا. واليقين المتسرّع أشبه بجدارٍ نبنيه لنشعر بالأمان، بينما الحيرة الحقيقية غرفةٌ واسعة نتّسع فيها شيئًا فشيئًا.
لكن تعالَ نُعِد النظر معًا. ماذا لو كانت الحيرة ليست جدارًا يسدّ الطريق، بل بابًا يُفتح على طريقٍ أوسع؟
في التراث الصوفي كلمةٌ جميلة تجيب عن هذا السؤال، هي «الحَيْرة»، ولم تكن عند أهله ذمًّا أبدًا. يقول محيي الدين بن عربي، في أدقّ ما قيل عن الموضوع، إن الهداية نفسها لا تنتهي إلى يقينٍ ساكن، بل إلى حيرةٍ هي عين الحياة:
الهدى: أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة، فيعلم أن الأمر حيرة، والحيرة قلقٌ وحركة، والحركة حياة.محيي الدين بن عربي · فصوص الحكم
فالقلب الذي يظن أنه أحاط بكل شيء قد أغلق نوافذه، والقلب الحائر ما زال يستقبل الضوء. الحيرة عند العارفين ليست ضياع البوصلة، بل اكتشاف أن الأفق أوسع من الخريطة.
وهذا يشبه ما وصل إليه الشاعر راينر ماريا ريلكه حين كتب إلى صديقه الشاب:
كن صبورًا تجاه كل ما لم يُحلّ في قلبك، وحاول أن تحبّ الأسئلة نفسها كما لو كانت غرفًا مغلقة أو كتبًا مكتوبة بلغةٍ غريبة جدًّا.راينر ماريا ريلكه · رسائل إلى شاعر شاب
الشرق والغرب هنا يقولان الشيء نفسه بلهجتين مختلفتين. فالسؤال الصادق لا يُراد له أن يُحَلّ بسرعة، بل أن يُسكَن فيه المرء ريثما ينضج جوابه من تلقاء نفسه، إن جاء الجواب أصلًا. وبعض الأسئلة وظيفتها أن تبقينا مستيقظين، لا أن تُغلَق.
الفرق بين الحيرة والقلق
قد تقول: لكن الحيرة تُتعبني. وهذا صحيح، إن خلطناها بالقلق. القلق أن تقف أمام الباب المغلق وتضرب عليه بيديك. أما الحيرة الطيبة فهي أن تقف أمام الباب نفسه بفضول: ما الذي خلفه؟ ومن وضعه هنا؟ ولماذا وصلتُ إليه اليوم بالذات؟
القلق يريد إنهاء السؤال بأي جواب. الحيرة الطيبة تريد فهم السؤال ولو تأخر الجواب. والفرق بينهما ليس في السؤال نفسه، بل في طريقة الوقوف أمامه: واقفٌ يرتجف، وواقفٌ يتأمل.
وهناك علامة عملية نميّز بها إحداهما من الأخرى. القلق يضيّق، فتشعر معه أن العالم كله يتقلّص إلى حجم المشكلة. أما الحيرة الطيبة فتوسّع، فتشعر معها أن العالم أكبر مما كنت تتخيل، وأن جهلك بجزءٍ منه ليس نقصًا فيك، بل دليلًا على أن هناك ما يستحق أن يُكتشف. ومن عرف هذه العلامة صار قادرًا أن يستقبل حيرته دون أن يخلط بينها وبين ما يهدّده فعلًا.
حيرةٌ تُنبت، لا حيرةٌ تُقلق
يميّز علمُ النفس التحليلي بين نوعين من عدم اليقين. هناك قلقٌ يريد الهروب من السؤال بأي جواب يسكّنه، وهناك حيرةٌ خصبة يسمّيها هذا العلم أحيانًا “التوتّر بين الأضداد”. وهي تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان بين ما كان يظن أنه يعرفه وما بدأ يكتشف أنه لا يعرفه، فتولد من هذا التوتر شخصيةٌ أوسع من التي دخلت السؤال. بمعنى آخر: لسنا نمرّ بالحيرة في طريقنا إلى النضج، بل الحيرة نفسها هي مادة النضج. فمن هرب منها بقي على حاله، ومن أقام فيها قليلًا خرج إنسانًا مختلفًا.
كيف نصادق أسئلتنا؟
أول الخطوات أن نكفّ عن الاعتذار عنها. حين يسألك قلبك: هل أنا في المكان الصحيح؟ هل هذه هي الحياة التي أريد؟ لا تُسكته كما يُسكت الضيف الثقيل. أجلسه، واسقه شايًا، واسمعه حتى النهاية. الأسئلة الكبيرة لا تأتي لتهدم بيتك؛ تأتي لتفتح فيه نافذة كنت نسيت أنها موجودة.
ثم أن نمنح الجواب وقته. نحن نعيش في زمنٍ يريد كل شيء الآن: الطعام سريع، والرسائل فورية، والإجابات جاهزة قبل اكتمال السؤال. لكن أجمل ما فينا نضج على مهل. والسؤال العميق مثل البذرة: لا تُخرجها من التراب كل صباح لترى هل نبتت.
وأخيرًا، أن نمشي بالسؤال بدل أن نجلس عليه. خذ حيرتك معك في نزهة. حدّث بها صديقًا تثق بعقله وقلبه. اكتبها في دفتر. ستدهشك الطريقة التي تتهذّب بها الأسئلة حين نُخرجها إلى الهواء الطلق.
البابُ يُفتح من الداخل
في نهاية المطاف، ربما كانت الحيرة رسالة محبة من أعماقنا: إشارة إلى أننا ما زلنا أحياء، ما زلنا ننمو، ما زلنا نرفض أن نصغر حتى نطابق إجاباتنا القديمة. ووقف أوديب أمام أبي الهول ليجيب عن لغز، لكن أعمق ما في تلك اللحظة ليس الجواب الذي قاله، بل استعداده أن يقف أصلًا أمام سؤالٍ أكبر منه ولا يهرب.
هذا ما تفعله الأسئلة الكبيرة حين نصادقها بدل أن نخافها: لا تُغلق علينا بابًا، بل تنبتنا من الداخل، بطيئًا كنبتٍ لا يُرى نموّه ساعةً بساعة، لكنه في نهاية الفصل قد صار شيئًا آخر تمامًا — أوسع، وأهدأ، وأقلّ خوفًا من أن يقول: لا أعرف بعد.
وهذه، في النهاية، هدية الحيرة الطيبة التي لا يعرفها إلا من جرّبها: أنها لا تترك صاحبها كما وجدته. فمن دخل في سؤاله الكبير بقلبٍ ضيّق، غالبًا ما يخرج منه أوسع صدرًا مما دخل، حتى لو بقي السؤال نفسه بلا جواب نهائي. والاتساع الذي تمنحه الحيرة يبقى معنا حتى حين يرحل السؤال الذي أحدثه، تمامًا كما يبقى أثر الضوء في الغرفة بعد أن يُفتح نافذتها ولو للحظة واحدة.
