صورة فوتوغرافية للشجرة العملاقة غريزلي جاينت في واد يوسمِتي، شجرة سيكويا ضخمة يتجاوز ارتفاعها كل ما حولها
كارلتون واتكنز، «الشجرة العملاقة غريزلي جاينت، بستان ماريبوسا، يوسمِتي»، 1861 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في مقدمة الجزء الثالث من كتابه «علم الأخلاق»، يعد الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا بشيءٍ غريب: أن يتعامل مع انفعالات الإنسان — غضبه، حسده، كراهيته — لا كخطايا تستحق اللوم، ولا كأمراضٍ تستحق الشفقة، بل كخطوطٍ وزوايا يمكن فهم قوانينها بالهندسة نفسها التي نفهم بها المثلثات. وحين طبّق هذا المنهج الهادئ على الحسد تحديدًا، وصل إلى تعريفٍ بارد لكنه دقيق.

الحسدُ ليس شيئًا سوى الكراهية، من حيث إنها تجعل المرء يفرح بأذى غيره، ويتألم من خيره.باروخ سبينوزا · «علم الأخلاق»، الجزء الثالث، القضية 24، ملاحظة، 1677

لكن سبينوزا لا يتوقف عند التعريف؛ فهو يريد أن يعرف متى يولد هذا الشعور تحديدًا، وليس دائمًا. ولاحظ شيئًا لم يسبقه إليه أحد بهذا الوضوح: أننا لا نحسد كل خيرٍ نراه، بل خيرًا بعينه، يملكه مَن نتخيّله يشبهنا. وكما رأينا في مقال الملوك لا يحسدهم إلا الملوك، فإن فرانسيس بيكون توصّل قبل سبينوزا بنصف قرنٍ إلى ملاحظةٍ مشابهة من زاويةٍ مختلفة؛ لكن سبينوزا وحده حاول أن يبرهن عليها هندسيًّا، لا أن يصفها فحسب.

لماذا لا نحسد الأشجار؟

يشرح سبينوزا أن عقل الإنسان يتألم حين يتأمّل ضعفه الخاص، وأن هذا الألم يشتدّ كلما قارن نفسه بغيره. ومن هنا يستخلص نتيجةً بسيطة، لكنها تُفسّر تجربةً نعيشها كل يوم دون أن ننتبه إليها: لا أحد يحسد فضيلةً في مَن ليس نظيرًا له.

نحت مصري قديم لرأس أسد بحجم طبيعي تقريبًا، ملامح هادئة وقوية منحوتة في الحجر
«رأس أسد»، مصر، نحو 400–300 ق.م — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

فنحن لا نحسد صاحب الفضيلة أكثر ممّا نحسد الشجرة على طولها، أو الأسد على شجاعته؛ لأننا لا نتصوّرهما مساويَين لنا.باروخ سبينوزا · «علم الأخلاق»، الجزء الثالث، القضية 55 وملاحظتها، 1677

وهذه الصورة، على بساطتها، تحمل عزاءً لم يقصده سبينوزا بالضرورة، لكنه موجودٌ فيها: لسنا محكومين بأن نحسد كل خيرٍ نراه في العالم، بل فقط ما نظنّه في متناولنا نحن تحديدًا. الشجرة العملاقة في الصورة أعلاه لا تُحسَد، لأن أحدًا لا يظنّ أنه كان يمكن أن يكون شجرة. لكن الجار الذي رُقّي في عمله، أو الصديق الذي تزوّج قبلنا، هما مَن يوقظان فينا هذا الشعور، لأن المسافة بيننا وبينهما قريبةٌ بما يكفي لنظنّ أننا كنّا نستحقّ ما نالاه.

الحسد يحتاج مرآة، لا مثالًا

وهذا ما يفسّر أيضًا لماذا لا نحسد الأبطال الأسطوريين أو النجوم البعيدين: نُعجَب بهم، لكننا لا نتألم من مجدهم، لأننا لم نتصوّر أنفسنا يومًا في مكانهم. الحسد، كما وصفه كارل يونغ بعد سبينوزا بقرابة قرنين ونصف في مقال الظلّ الذي ننكره، يحتاج مرآةً يرى فيها نفسه، لا مثالًا بعيدًا يُعجَب به من بعيد. ولهذا وجدنا الفكرة نفسها بصياغةٍ مختلفة عند لاروشفوكو في مقال مرآةٌ نُسمّيها صديقًا: أن أقرب الناس إلينا هم الأكثر عرضةً لأن يوقظوا فينا هذا الشعور، لأنهم وحدهم مَن نقيس أنفسنا بهم أصلًا.

لوحة امرأتان لبول غوغان، شخصيتان متشابهتان تقفان جنبًا إلى جنب دون تنافس ظاهر بينهما
بول غوغان، «امرأتان»، 1901 أو 1902 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وربما لهذا السبب اختار الرسّام في هذه اللوحة أن يضع امرأتين متشابهتين جنبًا إلى جنب، بلا تراتبيةٍ ظاهرة بينهما: فحين يقف شخصان على المسافة نفسها تقريبًا، يصبح كل فارقٍ صغير بينهما مرئيًّا بشكلٍ مؤلم، بينما يذوب الفارق نفسه لو وقف أحدهما وحيدًا. فهم سبينوزا لهذه الآلية لا يهدف إلى تبرير الحسد، بل إلى نزع رهبته: فما دام سببه معروفًا ومحدودًا، لم يعد قدرًا غامضًا يتحكّم فينا دون تفسير.

وهنا يكمن الدواء الذي يقترحه سبينوزا في موضعٍ آخر من الكتاب نفسه: أن الانفعال الذي يستعبدنا يتوقف عن استعبادنا في اللحظة التي نكوّن فيها فكرةً واضحة ومحدَّدة عنه. فالحسد الذي لا نفهمه يتحكّم فينا كقوةٍ عمياء، أما الحسد الذي نراه بوضوح — مقارنةٌ نصنعها نحن، لا حكمٌ يفرضه علينا الكون — يفقد الكثير من سطوته بمجرد أن نسمّيه.

وهذا الفهم نفسه هو ما يتيح لنا أن نستبدل المقارنة بالإعجاب الخالص، كما وعدنا مقال اللص الذي فينا لا في الجار؛ فمن يعرف أن حسده ليس حكمًا كونيًّا بل مرآةً يصنعها هو بنفسه، يستطيع أن يضع المرآة جانبًا، ويرى في خير جاره خيرًا صافيًا، لا مقياسًا لنقصه هو.

وللحسد وجهٌ آخر، حين يتوجّه لا إلى القريب بل إلى مَن نظنّه أرقى منّا؛ اقرأه في مقال الملوك لا يحسدهم إلا الملوك. وللداء دواءٌ ننتظره في محطةٍ قادمة من هذه الرحلة: أن ننتبه لمن حولنا انتباهًا خالصًا لا يقارن، كما تعلّمنا من سيمون فايل في مقال أصغر العملات وأغلاها.