نقش الحسد من سلسلة الخطايا السبع المميتة لبيتر بروغل الأكبر، امرأةٌ تعضّ يدها محاطة بحيوانات مفترسة
پيتر فان دير هايدن، عن بيتر بروغل الأكبر، «الحسد (Invidia)»، من سلسلة «الخطايا السبع المميتة»، 1558 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

كتب فرانسيس بيكون — رجل الدولة والفيلسوف الذي شغل أرفع المناصب في بلاط الملكة إليزابيث الأولى ثم الملك جيمس — مقالةً قصيرة بعنوان «في الحسد»، جمع فيها ملاحظات رجلٍ عاش عمره يراقب البلاط ودسائسه عن كثب. ولم يكتب عن الحسد كواعظٍ يحذّر منه، بل كمراقبٍ هادئ يشرّح آليته كما يشرّح طبيبٌ عضوًا. وأول ما لاحظه أن الحسد لا يحتاج عداوةً ليولد، بل يحتاج شيئًا واحدًا فقط: أن يشبهنا مَن نحسده بما يكفي لنقارن أنفسنا به.

الحسدُ يلازم دائمًا مقارنة المرء بنفسه؛ وحيث لا مقارنة، لا حسد. ولهذا لا يحسد الملوكَ إلا الملوك.فرانسيس بيكون · مقالة «في الحسد»، 1625

وهذه الملاحظة، على بساطتها، تفسّر سرًّا نعيشه كل يوم دون أن ننتبه إليه: لا أحد يحسد نجمًا في السماء لبعده عنا، لكن كثيرين يحسدون جارًا لسيارةٍ أجمل بقليل من سيارتهم. وكما رأينا في مقال اللص الذي فينا لا في الجار، فإن الحسد يتوجّه غالبًا إلى الأقرب لا الأبعد، لأن المسافة القريبة وحدها هي التي تجعل الميزان ممكنًا أصلًا. لا نقيس أنفسنا بما لا يُقاس، بل بما يشبهنا بما يكفي لنظن أننا كنا نستحقه نحن أيضًا.

مرآةٌ تعكس فراغًا لا امتلاءً

ولم يتوقف بيكون عند وصف الحسد، بل بحث عن جذره، فوجده في مكانٍ مفاجئ: ليس في فضيلة المحسود، بل في فراغ الحاسد نفسه.

من لا فضيلة فيه، يحسد دائمًا فضيلة غيره.فرانسيس بيكون · مقالة «في الحسد»، 1625

فمن يملك ما يشغل قلبه من خيرٍ حقيقي، عمله أو حبّه أو سلامه الداخلي، لا يبقى له وقتٌ كافٍ ليراقب موائد الآخرين. أما من يشعر بفراغٍ لم يملأه بعد، فإن عينيه تبحثان تلقائيًا عمّن يبدو أنه ملأه. وهذا ما لاحظه كارل يونغ بعد بيكون بثلاثة قرون تقريبًا من زاويةٍ مختلفة، في مقال الظلّ الذي ننكره، حين وصف الإسقاط: أننا حين لا نجرؤ على مواجهة نقصٍ فينا، لا نتخلّص منه، بل نبحث له عن مكانٍ خارجنا يستقرّ فيه. وفراغ الحاسد، في هذا الضوء، ليس غياب الشيء المحسود بالذات، بل غياب علاقةٍ صادقة مع الذات، تجعله يبحث عن قيمته في مرآة الآخرين بدل أن يجدها في نفسه.

رسم كاريكاتوري ساخر بعنوان الوزن لتوماس رولاندسون، أشخاص يقفون على ميزانٍ عام في إنجلترا الجورجية
توماس رولاندسون، «الوزن»، 1799 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وهذا الرسم الساخر يصوّر عادةً كانت رائجة في إنجلترا زمن بيكون وما بعده: أن يقف الناس علنًا على موازين عامة، ليعرف كل واحدٍ وزنه أمام الآخرين. وكأن بيكون رأى هذا المشهد بعين الفلسفة قبل أن يُرسم: نحن نصرّ على أن نزن أنفسنا أمام جمهور، ونقارن الرقم الذي نحصل عليه برقم جارنا، وكأن قيمتنا الحقيقية يمكن أن تُقرأ من إبرة ميزان. لكن بيكون يذكّرنا بأن الميزان الوحيد الذي يصنع الحسد هو الميزان الذي نخترعه بأنفسنا حين نقف بجانب الآخرين لنقارن، لا حين نقف وحدنا لنعرف كفايتنا.

حين يتوقف الميزان

وقد يظن قارئ بيكون أن دواءه هو الانعزال عن الناس، حتى لا تتاح فرصة المقارنة. لكن الحل الذي يقترحه، ضمنًا، أعمق من ذلك: أن ننقل انتباهنا من قياس أنفسنا بغيرنا، إلى بناء فضيلةٍ حقيقية تشغلنا عن القياس أصلًا. فمن يملك في داخله ما يستحق أن يُشغل به، لا يبقى محتاجًا لمرآة الآخرين ليعرف من هو.

لوحة حقول قمح هادئة لياكوب فان رويسدال، منظر ريفي هولندي واسع تحت سماء صافية
ياكوب فان رويسدال، «حقول قمح»، نحو 1670 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

انظر إلى هذا الحقل: لا تسأل سنبلةٌ فيه كم سنبلةً تملك الحقول المجاورة. تنمو بقدر ما تأخذ من الشمس والماء والتربة تحتها، وتكتفي بذلك، فتمتلئ في موسمها دون أن تنظر يمينًا أو يسارًا. وهذا بالضبط ما وعد به بيكون قارئه، وإن لم يقلها بهذه الصورة: أن ثمة سلامًا لا يُقاس بمقارنة، وأن من يجد فضيلته الخاصة — عمله، أو صداقاته، أو سكينته الداخلية — يكتشف أن حقله يمتلئ في موعده، بلا حاجة لأن يحصي سنابل الحقل الآخر.

ولعلّ أجمل ما في مقالة بيكون أنها لا تطلب منا أن نكفّ عن الإعجاب بالآخرين، بل أن نُبدّل الإعجاب بالحسد. فالإعجاب يرانا نطمح لما نراه من خيرٍ دون أن نتمنى زواله، بينما الحسد وحده يتمنى أن يخسر الآخر ما عنده، حتى لو لم نربح نحن شيئًا. ومن اكتشف الفرق بين الاثنين، كما اكتشفه بيكون في بلاط ملكةٍ مليء بالمنافسين، وجد أن أسهل طريقٍ للخروج من سجن المقارنة هو أن يملأ حقله الخاص، حتى ينسى، دون أن يقصد، أن يعدّ سنابل الجيران.

وللحسد وجهٌ آخر يرويه لاروشفوكو بعد بيكون بقرنٍ ونصف تقريبًا، حين يوجَّه لا إلى الغرباء بل إلى أعزّ أصدقائنا؛ اقرأه في مقال مرآةٌ نُسمّيها صديقًا.

وللداء دواءٌ ننتبه إليه في محطةٍ قادمة من هذه الرحلة: أن ننتبه لمن حولنا انتباهًا خالصًا لا يقارن، كما تعلّمنا من سيمون فايل في مقال أصغر العملات وأغلاها. فإذا امتلأ حقلنا الداخلي أخيرًا، واتّسع القلب ليعجب بخير غيره دون أن يزنه بميزانه الخاص، صار مستعدًّا لدرسٍ يليه في الرحلة، حين تشتعل شرارةٌ لا نملك دائمًا أن نطفئها بمجرد التمني، في مقال فنّ ألّا تُشعل النار.