Thursday 30 July 2026 ✦ ليوم هو كل ما نملك
ليــوم
الاعتدال

الميزان الداخلي: الوسط الذهبي بين الحرمان والإفراط

يان فان دير شتراِت (ستراديانوس)، «تمثيلٌ رمزي لمسيرة حياة الإنسان: اختيار الفضيلة»، 1570 أو قبله — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة في مفترق الطريق، يقف شابٌّ محتارًا: طريقٌ يميل يمينًا وآخر يم

Editorial · 6 دقائق قراءة
رسم تخطيطي لستراديانوس بعنوان تمثيل مسيرة حياة الإنسان: اختيار الفضيلة، شابٌّ يقف بين طريقين
يان فان دير شتراِت (ستراديانوس)، «تمثيلٌ رمزي لمسيرة حياة الإنسان: اختيار الفضيلة»، 1570 أو قبله — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في مفترق الطريق، يقف شابٌّ محتارًا: طريقٌ يميل يمينًا وآخر يميل يسارًا، وكلاهما يبدو مغريًا من موضعه. هذا هو المشهد الذي رسمه الفنانون القدامى ليصوّروا لحظة الاختيار الأخلاقي، وهي لحظة يعرفها كل إنسان: بين الحرمان والإفراط، بين الجبن والتهوّر، بين البخل والتبذير. والاعتدال ليس نقطة منتصف حسابية بين الطرَفين، بل هو الموضع الذي يخدم فيه الفعل غايته الحقيقية، لا أكثر ولا أقل.

وقد فطن أرسطو منذ أكثر من ألفي عام إلى أن الفضيلة، في كل شأن، تقع بين رذيلتين: إحداهما إفراطٌ والأخرى تفريط. فالشجاعة وسطٌ بين التهوّر والجبن، والكرم وسطٌ بين التبذير والبخل، والثقة بالنفس وسطٌ بين الغرور والخنوع. وكتب في هذا المعنى عبارةً لا تزال تُدرَّس حتى اليوم:

الفضيلة وسطٌ بين رذيلتين: إحداهما إفراط، والأخرى تفريط.أرسطو · الأخلاق النيقوماخية

ولم يكن أرسطو أول من رأى هذا، فقد سبقه إلى المعنى نفسه فيلسوفٌ يونانيٌّ آخر هو الحكيم صولون، حين نُقش على معبد دلفي شعارٌ صار مضربًا للمثل عبر العصور: «لا شيء بإفراط». لكن أرسطو أضاف بُعدًا عمليًّا لهذه الحكمة القديمة: أن الوسط ليس نقطةً ثابتة تصلح لكل إنسانٍ في كل حال، بل نقطةٌ تتحدّد بحسب الشخص والموقف والزمن، وهذا ما يجعل تطبيقها فنًّا يُتقَن بالتجربة، لا معادلةً رياضية تُحفظ مرّةً وتُطبَّق دون تفكير.

ولاحظ أن الوسط هنا ليس محايدًا فاترًا، بل هو أصعب المواضع وأشجعها: فمن السهل أن تكون بخيلًا أو مبذّرًا، لأن كليهما طريقٌ واحدة الاتجاه لا تحتاج توازنًا. أما أن تعطي بقدر الحاجة، لا أكثر إسرافًا ولا أقل تقتيرًا، فهذا يطلب انتباهًا مستمرًا، وقراءةً للموقف في كل مرة من جديد. الاعتدال ليس كسلًا عن الاختيار، بل هو أدقّ اختيارٍ يمكن أن يُتّخذ.

حين يصبح الميزان داخل الصدر

ولنلاحظ أن كثيرًا من متاعبنا اليومية تأتي من الميل إلى أحد الطرفين هربًا من الآخر، لا بحثًا عن الوسط فعلًا. من عانى من إسرافٍ في طفولته قد يميل بشدّة إلى التقتير في كبره، ظانًّا أنه بذلك بلغ الفضيلة، بينما هو في الحقيقة انتقل من طرفٍ إلى طرفٍ آخر مقابل. وهذا يفسّر لماذا يبدو الاعتدال أحيانًا أصعب من التطرّف في أي اتجاه: لأنه يطلب منّا ألّا نهرب من طرفٍ إلى نقيضه، بل أن نقف في المنتصف بوعيٍ، حتى لو كان ذلك الموضع أقل راحةً من الانحياز الكامل لأحد الجانبين.

وهذا ما تصوّره هذه اللوحة الهولندية القديمة بجمالٍ هادئ: امرأةٌ تحمل ميزانًا صغيرًا في يدها، لا لتزن ذهبًا فحسب، بل لتزن نفسها. فالموازين في الرسم القديم كانت غالبًا رمزًا لمحاسبة النفس قبل محاسبة السوق: هل ما آخذه يوازي ما أعطيه؟ هل رغبتي توازي حاجتي؟ وهذا الميزان الداخلي هو ما يحتاجه كل إنسانٍ يريد أن يعيش معتدلًا، لا ميزانًا يُشترى من السوق، بل حسًّا يُبنى بالتمرين والانتباه.

لوحة صورة امرأة تحمل ميزانًا لتوماس دو كايزر، امرأة هولندية بثوبٍ بسيط تمسك ميزانًا صغيرًا
توماس دو كايزر، «صورة امرأةٍ تحمل ميزانًا»، نحو 1625–26 — الميزان الذي يزن النفس لا الذهب فقط — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ومن أقوال الحكماء العربية القديمة حكمةٌ تلخّص هذا كله بإيجاز:

خير الأمور أوسطها.من أقوال الحكماء

والوسط الذي تعنيه الحكمة ليس الفتور ولا اللامبالاة، بل تلك النقطة التي يجتمع فيها كل شيءٍ في مكانه الصحيح: لا طعامٌ يُترك حتى يمرض الجسد جوعًا، ولا طعامٌ يُكثَر منه حتى يمرض تخمةً؛ لا كلامٌ يُحبَس حتى يخنق صاحبه، ولا كلامٌ يُطلَق بلا حساب فيؤذي. وهذا ما يجعل الاعتدال فضيلةً حيّة تتجدّد في كل موقفٍ، لا قاعدةً جامدة تُطبَّق مرّة واحدة وتُنسى.

وهنا يمكن أن نستعير من كارل يونغ فكرةً قريبة: النفس السليمة عنده ليست تلك التي تُخمد جانبًا من جوانبها لصالح جانبٍ آخر — العقل ضد العاطفة، أو الواجب ضد الرغبة — بل تلك التي توازن بينها في حوارٍ داخلي مستمر. من يقمع رغباته كلها باسم الفضيلة لا يصل إلى اعتدال، بل يخزّن توترًا سينفجر يومًا في صورةٍ أعنف؛ ومن يطلق كل رغباته باسم الحرية لا يصل إلى حرية، بل إلى عبوديةٍ جديدة لكل نزوة تمرّ به. الاعتدال هو ذلك الحوار الصعب الذي لا ينتهي، بين كل الأصوات الداخلية، حتى تجد كلها مكانها العادل.

لوحة أكوام القش: الخريف لجان فرانسوا ميلي، حقلٌ في الخريف بين حرارة الصيف وبرد الشتاء
جان فرانسوا ميلي، «أكوام القش: الخريف»، نحو 1874 — الفصل الذي لا يحرق ولا يجمّد — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

والخريف في هذه اللوحة فصلٌ بلا تطرّف: لا حرّ الصيف الذي يُتعب، ولا برد الشتاء الذي يُجمّد، بل اعتدالٌ يسمح للأرض أن تعطي ثمارها بهدوء، وللإنسان أن يجمع محصوله دون استعجالٍ ولا كسل. وهذا بالضبط ما تفعله الحياة المعتدلة: لا تحرم صاحبها من فرحةٍ يستحقها، ولا تُغرقه في لذّةٍ تُنسيه غيرها، بل تمنحه إيقاعًا يستطيع أن يعيش عليه سنينًا طويلة دون أن يحترق أو يذبل.

ومن الخطأ الشائع أن نظنّ الاعتدال موقفًا واحدًا نتّخذه مرّةً ونمشي عليه بقية العمر. الحقيقة أن الميزان يتحرّك مع كل موقفٍ جديد: ما كان اعتدالًا في الطعام أمس اليوم قد يكون إفراطًا إن تغيّرت حالة الجسد، وما كان اعتدالًا في العمل في مرحلةٍ من العمر قد يكون تفريطًا في مرحلةٍ أخرى تحتاج جهدًا أكبر. ولهذا فإن الاعتدال، خلافًا للقواعد الجامدة، يطلب حضورًا يوميًّا: أن نسأل أنفسنا كل صباح، لا مرّةً واحدة في العمر، أين يقع الوسط اليوم بالتحديد. وهذا السؤال المتجدّد هو ما يجعل الاعتدال فضيلةً حيّة، لا وصفةً نحفظها ونكرّرها دون تفكير.

الاعتدال الذي لا يخاف من الحياة

وأجمل ما في هذا الطريق أن الاعتدال، خلافًا لما يُظنّ، ليس تقشّفًا يخاف من متعة الحياة، بل هو أعمق طريقةٍ للاستمتاع بها دون أن نفقدها. فمن يأكل باعتدال يتذوّق طعامه أكثر ممن يتخم نفسه حتى يفقد حسّ الطعم، ومن يعمل باعتدال يستمتع بثمرة عمله أكثر ممن يُنهك نفسه حتى يفقد القدرة على الفرح بما أنجز. الوسط ليس تنازلًا عن اللذة، بل هو الطريقة الوحيدة التي تبقي اللذة حيّةً ولا تحرقها في نار الإفراط ولا تجمّدها في برد الحرمان.

وحين نتعلّم أن نقف في هذا الموضع الدقيق — لا يمينًا ولا يسارًا، بل حيث يخدم الفعل غايته — نكتشف أن الميزان الذي كنا نبحث عنه في الخارج كان دائمًا يُصنَع في الداخل، بانتباهٍ صغير يتكرّر كل يوم، حتى يصير عادةً هادئة تحمل صاحبها بثباتٍ بين كل الأعاصير، لا لأنها تتجنّب الحياة، بل لأنها تعيشها بكامل توازنها، فرحةً غير خائفة من الغد.

وفي أقصى الشرق، وصل خطوةٌ زائدة كخطوةٍ ناقصة إلى الميزان نفسه من طريقٍ مختلف: كونفوشيوس رأى أن مَن يتجاوز الهدف كمن يقصر عنه، وأن الوسط الهادئ لا يُبنى بقرارٍ واحد، بل بانتباهٍ متجدد كل يوم.

شارك المقال

هل ألهمك المقال؟

انضمّ إلى القرّاء الذين يستقبلون تأمّلًا واحدًا كل أسبوع، مباشرة إلى بريدهم.

اقرأ أيضًا