لوحة بورتريه رجل مسنّ لهانس ميملينغ، وجه هادئ وحيد بلا خلفية أو رفقة
هانس ميملينغ، «بورتريه رجل مسنّ»، نحو 1475 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وجهٌ واحد، بلا خلفيةٍ تحكي مكانًا، وبلا رفيقٍ يشاركه الإطار: هذا كل ما تُظهره اللوحة. وقد لا نعرف شيئًا عن حياة هذا الرجل الذي رسمه هانس ميملينغ قبل خمسة قرون، لكن ملامحه تحمل شيئًا نعرفه جيدًا اليوم: هدوء الوحدة حين تطول. وفي عام 2023، أصدر الجرّاح العام الأمريكي د. فيفيك مورثي تقريرًا رسميًّا أعلن فيه أن هذا الشعور صار وباءً بمعنى الكلمة الطبي، لا مجازًا أدبيًّا:

وباؤنا من الوحدة والعزلة كان أزمةً صحية عامة لم تحظَ بالتقدير الكافي، وقد ألحق الضرر بصحة الأفراد والمجتمع.د. فيفيك مورثي · تقرير الجرّاح العام الأمريكي، 2023

وأورد التقرير رقمًا يستحق التوقّف عنده: أن الأثر على معدّل الوفيات الناتج عن الانعزال الاجتماعي قد يوازي أثر تدخين خمس عشرة سيجارة يوميًّا، استنادًا إلى تحليلٍ شامل لأكثر من مئة وأربعين دراسة سابقة. ومهما بدا هذا الرقم صادمًا، فإن ما يهمّنا هنا ليس دقّته الإحصائية بقدر ما يهمّنا اعترافه بأن الوحدة ليست شعورًا عابرًا نتجاوزه، بل حالة يمكن أن تُمرِض الجسد كما تُمرِض القلب.

والمفارقة أن هذا الوباء تفشّى في عصرٍ نملك فيه من وسائل «التواصل» أكثر ممّا عرفه أي جيلٍ قبلنا. وهنا تلتقي هذه المفارقة بما تأمّلناه في مقال آلةٌ لا تشبع عن اقتصاد الانتباه، وفي مقال صحون الجيران على الشاشة عن المقارنة الاجتماعية: فكلاهما يمنحنا شعورًا بالحضور بين الناس، بينما يُبقينا في الحقيقة متفرّجين على حياة غيرنا لا مشاركين فيها. نُتابع مئات الأشخاص، ونعرف أخبارهم لحظةً بلحظة، لكن قلّما يعرف أحدهم أننا نمرّ بيومٍ صعب، وقلّما نسأل نحن أحدًا عن يومه فعلًا.

الدواء الذي لا يحتاج مناسبة

لوحة الزيارة لبيترو لونغي، رجل وامرأة يستقبلان زائرًا في غرفة داخلية أنيقة
بيترو لونغي، «الزيارة»، 1746 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذه اللوحة، لا شيء استثنائي يحدث: زائرٌ يدخل، وصاحب البيت يستقبله. لا مناسبة كبرى، ولا حدث يستحق أن يُروى، فقط شخصٌ اختار أن يذهب إلى شخصٍ آخر. وهذا بالضبط ما تنساه ثقافتنا حين تبحث عن حلول «الوحدة» في تطبيقاتٍ جديدة أو فعالياتٍ ضخمة: أن أبسط علاجٍ لها هو أقدم فعلٍ إنسانيّ عرفه البشر، أن نذهب إلى مَن نحبّ دون أن ننتظر عذرًا لذلك. وقد فصّل الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين» بابًا كاملًا عن حقوق الجيران وواجبات التزاور بينهم، ورأى أن السؤال عن حال الجار المريض أو الغائب ليس مجاملةً اجتماعية، بل جزءًا من عمارة القلب نفسه؛ فالقلب الذي لا يسأل عن غيره يبدأ يضمر دون أن يشعر صاحبه.

وقد تأمّلنا من قبل في مقال الانتباه أندرُ أشكال الكرم كيف رأت الفيلسوفة سيمون فايل أن أعمق أشكال اللطف ليست في اليد التي تعطي، بل في العين التي تنتبه أولًا. والوحدة، من هذه الزاوية، ليست غياب أناسٍ حولنا بقدر ما هي غياب مَن ينتبه إلينا فعلًا؛ فيمكن أن يعيش الإنسان وسط حشدٍ ويظلّ وحيدًا، إن لم يشعر أن أحدًا يراه كما هو. ولهذا فإن أرخص علاجٍ للوحدة قد يكون أغلاها في وقتها: أن نضع الهاتف جانبًا حين نجلس مع أحد، وأن نسأل سؤالًا ثانيًا بعد الجواب الأول بدل أن ننتقل مباشرة لحديثنا نحن.

لوحة داخلية مع زوجين شابين لبيتر دي هوخ، رجل وامرأة يجلسان معًا في غرفة مضيئة هادئة
بيتر دي هوخ، «داخلية مع زوجين شابّين»، نحو 1662–1665 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذه اللوحة، لا شيء يلفت النظر سوى الهدوء المشترك بين اثنين يشغلان الغرفة نفسها دون أن يفعلا شيئًا استثنائيًّا معًا. وهذا هو جوهر ما يشفي الوحدة: ليس حدثًا كبيرًا يُقام مرّة، بل حضورًا صغيرًا يتكرّر، مكالمةٌ أسبوعية، أو جلسةٌ عابرة، أو رسالةٌ قصيرة تسأل «كيف حالك؟» وتنتظر الجواب فعلًا بدل أن تكون مجرّد تحيّة عابرة. وكما تأمّلنا في مقال قطرةٌ تُداوم تثقب الصخر، فإن الاستمرار الصغير غالبًا ما يبني ما يعجز الحدث الكبير عن بنائه.

أن نكون أول من يمدّ يده

وأصعب ما في علاج الوحدة أنه يطلب منّا أن نبدأ نحن، لا أن ننتظر أن يبدأ غيرنا؛ فمن يشعر بالوحدة يخشى غالبًا أن يكون هو من يطلب، ظنًّا منه أن طلبه عبء على الآخرين. لكن الحقيقة أن أكثر الناس ينتظرون، مثله تمامًا، مَن يمدّ يده أولًا. ومن يجرؤ أن يكون هو البادئ — بمكالمةٍ، بزيارة، بسؤالٍ صادق — يكتشف غالبًا أن الطرف الآخر كان في انتظار هذه اليد بالضبط، فتنكسر الوحدة من طرفيها معًا بفعلٍ واحد صغير، لم يكن يحتاج أكثر من قرارٍ بأن نبدأ.