لوحة لاعبو الورق لبول سيزان، رجلان يجلسان أمام طاولة يلعبان الورق بتركيز صامت
بول سيزان، «لاعبو الورق»، 1890–1892 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

انظر إلى هذين اللاعبين: لا ابتسامة، ولا حديث، ولا حتى نظرةٌ إلى بعضهما؛ فقط تركيزٌ صامت على أوراقٍ في اليد، وجولةٌ تنتهي لتبدأ جولةٌ أخرى بعدها مباشرة. لا أحد يعرف متى ستتوقّف هذه اللعبة، ولا يبدو أن أحدًا يريدها أن تتوقّف. وهذه صورةٌ دقيقة، وإن رُسمت قبل قرنٍ ونصف، لما يحدث كل يوم في جيوبنا: تمريرةٌ تتبعها تمريرة، وشاشةٌ تُقفَل ثم تُفتَح بعد لحظات، بلا سؤالٍ عمّا نبحث عنه فعلًا.

هذا ما يسمّيه الباحثون «اقتصاد الانتباه»: نظامٌ اقتصادي كامل لا يبيع سلعةً نشتريها، بل يبيع وقتنا وانتباهنا لمعلنين يدفعون مقابل كل ثانيةٍ إضافية نقضيها أمام الشاشة. ولأن انتباه الإنسان محدودٌ بعدد ساعات يومه، تتنافس التطبيقات كلها على الموارد الشحيحة نفسها، فتُصمَّم عمدًا — لا بالصدفة — لتكون أصعب ما يكون تركها. أحد مَن ابتكروا هذه الأدوات بأنفسهم اعترف لاحقًا بذلك بصراحة:

أحد الدروس التي تعلّمتها من التمرير اللانهائي: أن تحسين شيءٍ ليسهل استخدامه لا يعني أنه الأفضل للمستخدم أو للإنسانية.آزا راسكن · مخترع «التمرير اللانهائي»

وآزا راسكن هذا هو مَن صمّم بنفسه ميزة التمرير التي لا تتوقّف — تلك التي أزالت زر «الصفحة التالية» فلم يعد أمامنا حائطٌ نتوقّف عنده، بل نهرٌ من المحتوى بلا ضفاف. وحين أدرك لاحقًا حجم الوقت الذي يبتلعه اختراعه من حياة الناس، لم يدافع عنه، بل ندم عليه علنًا. وهذا اعترافٌ نادر: أن يقول صانع الآلة إنه لم يكن يقصد أن تصير بهذا الجوع.

الكسل الذي يُصمَّم له

وقد تأمّلنا من قبل في مقال الكسل أنه ليس تعبًا في الجسد بقدر ما هو خوفٌ متنكّر من البداية، وغيابًا عن المعنى أكثر منه راحةً حقيقية. واقتصاد الانتباه يستغلّ هذا الخوف بالضبط: فبدل أن نواجه لحظة الفراغ التي قد تسألنا «ماذا تريد أن تفعل الآن؟» — وهو سؤالٌ قد يكون مزعجًا لأنه يطلب قرارًا — يملأ التطبيق تلك اللحظة نيابةً عنّا، فيريحنا من عبء الاختيار، لكنه يسرق منّا أيضًا فرصة أن نكتشف ماذا كنّا سنختار لو تُركنا لأنفسنا. وهكذا يصير التمرير هروبًا من نوعٍ لطيف الظاهر، قاسٍ الأثر: لا نتعب فيه، لكنّنا لا نحضر فيه أيضًا.

لوحة جو الجميلة الإيرلندية لغوستاف كوربيه، امرأة تحدّق في مرآة يدوية صغيرة تمسكها بيدها
غوستاف كوربيه، «جو، الجميلة الإيرلندية»، 1865–1866 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذه اللوحة، امرأةٌ غارقة كليًّا في مرآةٍ يدويةٍ صغيرة، لا ترى شيئًا من العالم حولها، فقط انعكاسها هي. وهذه استعارةٌ لم تكن مقصودة حين رُسمت، لكنها تصف اليوم بدقّةٍ غريبة ما يحدث حين ننحني على شاشةٍ صغيرة لامعة نحملها بيدنا، تعكس لنا صورًا وأخبارًا مصمَّمة خصّيصًا لتشبه ما نحبّ رؤيته. والفرق أن المرآة القديمة كانت تعكس وجهًا واحدًا ثابتًا، أما هذه المرآة الجديدة فتعكس نسخةً متغيّرة منّا كل ثانية، مصمَّمة بخوارزميةٍ تعرف كيف تُبقي نظرتنا معلّقةً بها أطول وقتٍ ممكن. وقد وصف أحد مَن عملوا داخل هذه الصناعة هذا التصميم بلا مواربة:

هناك مجموعةٌ كاملة من التقنيات تُستخدَم لجعلك تستعمل المنتج أطول وقتٍ ممكن.تريستان هاريس · شهادته في برنامج «60 دقيقة»

وهذا لا يعني أن كل تمريرةٍ خطيئة، أو أن الشاشة عدوّ يجب تحطيمه؛ فالأدوات نفسها محايدة، والمشكلة في أن نستخدمها دون وعيٍ بأنها صُمِّمت لتُستخدَم أكثر ممّا نحتاج. وهنا يفيدنا ما وصفه الغزالي قبل قرون في مقال طبيب القلوب عن المحاسبة اليومية: سؤالٌ صغير قبل أن نفتح الشاشة للمرّة العاشرة في الساعة: ماذا أتجنّب الآن بالضبط؟ فغالبًا ما يكون الجواب مزعجًا بما يكفي لنفهم لماذا اخترنا الهروب منه إلى «المزيد» بدل أن نجلس معه دقيقة.

لوحة طبيعة صامتة فيها جمجمة وريشة كتابة لبيتر كلاس، تذكيرٌ بمرور الوقت
بيتر كلاس، «طبيعة صامتة فيها جمجمة وريشة كتابة»، 1628 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وفي هذه اللوحة، جمجمةٌ وريشة كتابة متروكة على طاولة: الوقت يمرّ سواء ملأناه بشيءٍ يستحق أو بشيءٍ صُمِّم فقط ليُشغلنا. والريشة، التي تصلح لكتابة رسالةٍ أو قصيدة أو فكرة، تبقى بلا حبرٍ إن قضينا الساعات التي كانت ستُكتَب بها في تمريرٍ لا ننتظر منه شيئًا. وهذه ليست دعوةً للتخلّي عن كل تسليةٍ رقمية، بل تذكيرٌ بسيط أن وقتنا، مثل حبر الريشة، محدودٌ ولا يُعاد ملؤه، وأن السؤال الذي يستحق أن نسأله ليس «كم بقي من الوقت» بل «بماذا أريد أن أملأه».

أن نستعيد المللَ لنستعيد أنفسنا

وقد يبدو غريبًا أن نقول إن الملل نعمة، لكنه في جوهره مساحةٌ فارغة يخلقها العقل ليسألنا ماذا نريد فعلًا، وهو سؤالٌ لا نسمعه إلا حين يهدأ الضجيج قليلًا. ومن يجرؤ أن يترك هاتفه في الجيب دقائق إضافية، أو يمشي طريقًا دون أن يملأ أذنيه بشيء، يكتشف أن ذلك الفراغ الذي كان يخافه ليس فراغًا فارغًا، بل مساحةً تعود إليه فيها أفكاره الخاصة، وأحلامه الصغيرة، وربما فكرةٌ لم تكن لتولد لو بقي الانتباه كله معلّقًا بشاشةٍ لا تشبع. وهذه، في النهاية، همّةٌ صغيرة تستحق أن تُمارَس كل يوم: أن نختار نحن متى نُعطي انتباهنا، بدل أن يُؤخَذ منّا دون أن ندري.