لوحة بورتريه للبابا كليمنت العاشر جالسًا على عرشه بكامل زينته الرسمية، لجيوفاني باتيستا غاولي
جيوفاني باتيستا غاولي (باتشيتشو)، «البابا كليمنت العاشر»، نحو 1670–1671 — عرشٌ يُلبَس فوق ثيابٍ عادية، وإنسانٌ تحته لا يختلف عن غيره — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

في قصره الباريسي، كان الملك يخلع تاجه كل مساء كما يخلع أي رجلٍ حذاءه المتعب، ثم ينام نومًا لا يختلف كثيرًا عن نوم أفقر رعاياه: يتقلّب إن جاعت معدته، ويؤرقه الهمّ نفسه الذي يؤرق الفلاح. لاحظ هذا التفصيل رجلٌ فرنسي آخر عاش في القرن السادس عشر، لكنه اختار أن يتقاعد باكرًا من الحياة العامة إلى برجٍ صغير في ضيعته، ليقضي عشرين عامًا يكتب مقالاتٍ لم يقصد بها أن يعلّم أحدًا، بل أن يفهم نفسه أولًا. اسمه ميشيل دي مونتين، وملاحظته عن الملوك والعروش صارت واحدة من أعذب جملٍ في تاريخ التواضع.

لم يكن مونتين (1533–1592) راهبًا زاهدًا هرب من الدنيا، بل نبيلًا وقاضيًا وعمدةَ مدينةٍ سابقًا، رجلًا خبر السلطة عن قرب قبل أن يديرها ظهره ليتفرّغ لمشروعٍ غريب: أن يراقب أفكاره وتناقضاته وضعفه اليومي بصدقٍ لم يعرفه أحدٌ قبله في الكتابة الأوروبية. ومن تلك المراقبة الطويلة، خرجت ملاحظته الشهيرة عن العروش:

مهما ركبنا على أعلى الدعامات، تبقى أرجلنا هي التي تمشي بنا؛ وحتى فوق أعلى عرشٍ في العالم، لا نجلس إلا على مؤخّرتنا.مونتين · مقالات، الكتاب الثالث، الفصل 13، 1595

التواضع الذي لا يبحث عن جمهور

وهنا يستحق الأمر توقّفًا: فتواضع مونتين ليس تمثيلًا أمام الناس، ولا احتقارًا للذات يتباهى بتذلّله كما يفعل بعضنا أحيانًا ليقال عنه متواضع. هو ببساطة معرفةٌ هادئة بأن كل إنسان، مهما علا مقامه، يبقى إنسانًا يأكل ويتعب ويخطئ. وهذا يشبه تمامًا ما رأيناه مع كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره: أن أخطر ما نفعله بأنفسنا هو أن نرفض رؤية الجزء العادي، الهش، غير المثالي فينا، فنُسقطه على غيرنا بدل أن نعترف به. مونتين لم يُسقط شيئًا؛ نظر إلى نفسه مباشرة، ولم يخف مما رأى.

مرآة دائرية مذهّبة من الجصّ من عصر النهضة الإيطالية، صنعها بندتّو دا مايانو
بندتّو دا مايانو، «إطار مرآة دائري»، نحو 1480 — لا أداة تكشف حقيقتنا كما تكشفها المرآة، إن نظرنا إليها طويلًا بما يكفي — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وأبعد ما يكون مونتين عن ذاك الزهد المتباهي، حين يكتب في مقاله «التوبة» عن نفسه بصراحةٍ يندر أن نجدها حتى اليوم، معترفًا أن ما رآه في أعماقه لم يكن دائمًا جميلًا، لكنه لم يتوقف عن النظر لذلك:

لم أرَ قط وحشًا أو معجزةً في العالم أعظم من نفسي.مونتين · مقال «التوبة»، من كتاب مقالات

هذه الجملة، التي تبدو للوهلة الأولى قاسية على النفس، هي في الحقيقة أرقّ ما يمكن أن يقوله إنسانٌ عن ذاته: أنا لغزٌ، فيّ ما يشبه الوحش وفيّ ما يشبه المعجزة، ولن أفهم نفسي إن أصررت على أن أرى نصفًا واحدًا فقط. وهذا بالضبط ما فعله سقراط قبله بألفي عام، حين اكتشف أن الحكمة تبدأ من الاعتراف بالجهل، كما مرّ بنا في مقال كل ما أعرفه أنني لا أعرف: التواضع الحقيقي ليس إنكارًا لما نملك، بل قبولًا كاملًا لحدودنا.

البرج الذي صار مرآة

ولم يكتب مونتين مقالاته دفعة واحدة، بل ظلّ يعود إليها عامًا بعد عام، يضيف إلى الهامش ملاحظة جديدة كلما تغيّر رأيه أو اكتشف تناقضًا في نفسه لم يره من قبل. لم يكن يخجل من أن يُظهر تردّده أو تبدّل مزاجه؛ كان يرى في ذلك التبدّل نفسه مادةً للكتابة، لا عيبًا يجب إخفاؤه. وهذا يقترب كثيرًا مما فعله ديوجين، الذي تخلّى عن كل ما يملك ليكتشف أن الحرية تبدأ حين نكفّ عن التمثيل أمام الآخرين، كما جاء في مقال الرجل الذي لا يملك شيئًا.

لوحة القديس جيروم يكتب في محرابه منكبًّا على كتبه، لدومينيكوس ثيوتوكوبولوس المعروف بالغريكو
الغريكو، «القديس جيروم عالمًا»، نحو 1610 — العزلة التي يختارها المرء لا هربًا من الناس، بل لمواجهة نفسه أخيرًا بلا حجاب — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ولعل أجمل ما في تجربة مونتين أنها لم تنتهِ بحكمٍ قاسٍ على نفسه ولا بيأسٍ من إصلاحها، بل بصداقةٍ هادئة معها: تعلّم أن يضحك من زلّاته بدل أن يجلدها، وأن يروي قصصه المحرجة كما يروي انتصاراته، لأن كليهما جزءٌ من الصورة الكاملة التي كان يبحث عنها. وهذا نقيض ما رأيناه في مقال الشجرة التي تنحني بثمرها عن الكبرياء الذي يتضخّم كلما ضعفت ثقتنا الحقيقية بأنفسنا: فمونتين لم يحتج أن يتضخّم، لأنه لم يخف مما وجده حين نظر إلى الداخل.

وهذا هو التواضع الذي لا يحتاج إلى مسرح ولا إلى من يصفّق له: أن نراقب أنفسنا بنفس الدقة التي راقب بها مونتين تفاصيله الصغيرة، فنكتشف أننا، مثله، لسنا وحشًا خالصًا ولا معجزة خالصة، بل مزيجٌ إنسانيٌّ كامل يستحق أن يُنظر إليه بعينين مفتوحتين لا بعين واحدة مغمضة. ومن هنا، من هذا القبول الهادئ لحدودنا، يبدأ الطريق نحو فضيلةٍ أخرى تكمل هذا الدرس: أن نعطي مما نملك بلا حساب، كما يجري النبع بلا خوفٍ من أن يفرغ، وهو ما ننتقل إليه في محطتنا التالية، مقال النبع لا يفتقر لأنه يجري.