
في أحد أشهر حوارات الفيلسوف الصيني جوانغ تزو (القرن الرابع قبل الميلاد)، يشتكي صديقه هوي تزو من شجرةٍ ضخمةٍ يملكها: جذعها ملتوٍ لا يصلح لصناعة لوحٍ مستقيم، وأغصانها معقودة لا يمكن أن تُقطع بشكلٍ مفيد. «إنها كتعليمك أنت»، يقول هوي تزو ساخرًا، «كبيرة، وعديمة الفائدة». فيردّ جوانغ تزو بحكايةٍ لا بجدال.
ألم ترَ القطّ البرّي، يتحفّز ويثب يمينًا ويسارًا، عاليًا ومنخفضًا، حتى يقع أخيرًا في الفخّ؟ أمّا الثور الوحشي، فعظيمٌ كسحابة رعدية، يقف بجبروته. عظيمٌ، أجل. لكنه لا يقدر أن يصطاد فأرًا.جوانغ تزو، «كتاب جوانغ تزو»، الفصل الأول، ترجمة توماس مِرتون
وهذه هي الحيلة التي يقلب بها جوانغ تزو المعيار كلّه: نحن نمدح الشيء حين ينفعنا، ونزدريه حين لا ينفعنا، وننسى أن «النفع» نفسه مقياسٌ نضعه من الخارج، لا صفة أصيلة في الأشياء. الشجرة التي رفضها كل نجّار لم تكن فاشلة؛ كانت، بالضبط بسبب رفضهم لها، الوحيدة التي بلغت من العمر ما بلغت، بينما قُطعت كل شجرةٍ «مفيدة» في المنطقة وهي لا تزال فتيّة.
الفأس الذي لا يجد ما يقطعه
ويكمل جوانغ تزو نصيحته لصديقه بجملةٍ أقرب إلى دعوة: ازرع شجرتك «عديمة النفع» في أرضٍ لا يطمع فيها أحد، ثم تمشَّ حولها بلا هدف، واسترح في ظلّها بلا قلق؛ فلا فأسٌ سيقطعها، ولا شيء سيقصر عمرها. وهذا بالضبط ما فعله كل من رفض أن «يلمع»: من لا يسعى أن يكون الأكثر بروزًا في الغرفة، نادرًا ما يجد نفسه هدفًا لغيرة أحد، أو ساحة معركةٍ يتقاتل عليها آخرون. وهذا صدىً مبكرٌ لما رآه كارل يونغ حين وصف كيف يخلق التألق الزائد ظلّه الخاص — كل ضوءٍ ساطع يحتاج مكانًا يهرب إليه الظلام، وغالبًا ما يكون هذا المكان هو مَن أضاء أكثر من طاقته.

ولهذا كان جوانغ تزو يسخر دومًا من الطموح الذي يريد أن يُرى، لا الطموح الذي يريد أن يفعل. فالتواضع عنده ليس تنازلًا مؤلمًا، بل حكمةً عملية: من يريد أن يعيش طويلًا وبسلام، لا يقف في وسط الطريق يلوّح بيديه، بل ينحني قليلًا، ويترك للفأس طريقًا آخر يسلكه. وهذا يشبه تمامًا ما رأيناه في مقال الشجرة التي تنحني بثمرها، حين تحدثنا عن الكبرياء بوصفها هشاشةً تخاف أن تنحني، فتقف صلبةً حتى تنكسر عند أول ريحٍ قوية.
ما ينجو لأنه لم يُرَ
وربما هذا أصعب درسٍ في التواضع: أن ننجو أحيانًا لا بفضل قوتنا، بل بفضل أننا لم نلفت انتباه ما كان يمكن أن يؤذينا. ليس كل معركةٍ يجب أن نخوضها، وليس كل تفوّقٍ يستحق أن يُعلَن. وهذا هو نفسه ما لمسناه في مقال الرجل الذي لا يملك شيئًا، حين رفض ديوجين أن يحمل ما يخشى أن يُنتزع منه؛ فمن لا يملك شيئًا لامعًا، لا يخشى لصًّا. وجوانغ تزو يذهب أبعد قليلًا: من لا يبدو نافعًا لأحد، لا يخشى فأسًا.

ازرعها في أرضٍ لا يطمع فيها أحد، في فضاءٍ واسع، وتمشَّ حولها بلا هدف، واسترح تحت ظلّها. لا فأسٌ يُنهي عمرها. لا شيء يؤذيها، لأنها بلا نفع.جوانغ تزو، «كتاب جوانغ تزو»، الفصل الأول، ترجمة توماس مِرتون
وهذا لا يعني أن نخفي كل موهبةٍ فينا خوفًا من الأنظار؛ فجوانغ تزو نفسه كان من ألمع كتّاب عصره، ولم يُخفِ فكره عن أحد. لكنه فرّق بين أن نعمل بصدق، وأن نعمل من أجل أن يُقال عنّا إننا الأفضل. الأول يشبه الشجرة التي تنمو لأنها تنمو؛ والثاني يشبه الشجرة التي تُقطع بمجرد أن تبلغ الطول الذي يُغري النجّار.
وحين نتعلّم أن نحمل قدراتنا بخفّة، لا أن نرفعها كرايةٍ تستدعي كل ريح، نكتشف أن التواضع ليس نقصًا نتحمّله، بل ملاذًا نختاره: مكانٌ لا يصله فأسٌ، لأن لا أحد يظنّ أن فيه ما يستحق القطع. وهذا الاتساع الهادئ نفسه هو ما يقودنا إلى محطتنا التالية في هذه الرحلة، حين يتحوّل التواضع إلى عطاء لا يخشى النقصان: النبع لا يفتقر لأنه يجري، حيث يتّسع القلب أكثر كلّما تخلّى عمّا كان يحرسه بخوف.

