
في الدائرة الثانية من جبل المطهر، حيث تُطهَّر النفوس من خطاياها قبل أن تكمل صعودها، وصف الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، في كتابه «الكوميديا الإلهية»، مشهدًا لا يُنسى. جلس الحاسدون متراصّين على الأرض، يلبسون عباءاتٍ خشنة بلون الصخر الذي يسندون ظهورهم إليه، وقد خِيطت جفونهم بسلكٍ من حديد، فلا يرون شيئًا:
بدَوا لي مكسوّين بمِسحٍ خشن… وكان كلٌّ منهم يستند بكتفه إلى الآخر، وكلّهم يستندون إلى الصخرة. وكما لا تُعين الشمسُ الأعمى، كذلك لن يجود ضوء السماء على هذه الأشباح، لأن سلكًا من حديدٍ يخترق جفونهم ويخيطها تمامًا، كما يُفعل بالصقر البرّي الذي لا يهدأ.دانتي أليغييري · «المطهر»، النشيد الثالث عشر
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا المشهد أنه عقابٌ دقيق الصياغة، لا عشوائي. فالحسد في جوهره طريقة نظرٍ فاسدة: عينٌ تتسلّل إلى خير الجار لتقيسه بخيرها، لا لتفرح به. حتى إن الكلمة اللاتينية للحسد، invidia، مشتقّة من الفعل invidere، الذي يعني حرفيًّا أن ننظر إلى أحدٍ بعين الشرّ أو الحسد. فحين يُعاقَب الحاسدون بالعمى المؤقت، فإن العقوبة لا تنتقم من الرؤية بقدر ما تشفيها: تحجب عنهم قدرتهم على المقارنة، ليتعلّموا نوعًا آخر من الانتباه لا يحتاج إلى عين مفتوحة.
الاتّكاء بدل المقارنة

لكن أجمل ما في المشهد ليس العمى نفسه، بل ما يفعله الحاسدون بأجسادهم وهم فيه: كلّ واحدٍ منهم يسند كتفه إلى كتف جاره، وكلّهم يسندون ظهورهم إلى الصخرة، كما يفعل المتسوّلون العُمي عند أبواب الكنائس، يُسنِد بعضهم بعضًا لتُستجلَب لهم الرحمة. وهذا انقلابٌ كامل على منطق الحسد: فالحسد، في صورته المعتادة، يجعلنا نرى في الآخر خصمًا نقيسه بأنفسنا؛ أما هنا، في عماهم المشترك، لم يعد أمام الحاسدين خصمٌ يُقاس، بل جارٌ يُتّكأ عليه. وحين سُئل دانتي عمّن يمرّ بينهم، لم يجب أحدهم باسم مدينته أو نسبه، بل قال: «نحن جميعًا مواطنو مدينةٍ واحدة» — إجابةٌ ما كانت لتصدر عن قلبٍ حاسد.
ولم يوفّر دانتي القارئ من مواجهة الحسد في صورته العادية، غير المهيبة. فإحدى الأرواح هناك، امرأةٌ تُدعى سابيا من سيينا، تعترف بذنبٍ صغير في ظاهره، شائعٍ في طبعنا: أنها ابتهجت يوم هُزم أبناء مدينتها في معركة، لا لشيء إلا لأن الهزيمة كانت هزيمة أعدائها الشخصيين أيضًا:
وكنتُ أُسَرّ بمصائب الآخرين أكثر من سروري بخيري الخاص.سابيا السييني، في «المطهر» لدانتي · النشيد الثالث عشر

وهذا الاعتراف تحديدًا هو ما يجعل حسد سابيا قريبًا منّا: فقلّة منا تحسد بالطريقة الكبرى، طريقة الانتقام أو الأذى المباشر؛ لكن كثيرين منا عرفوا تلك اللذة الصغيرة، الخفية، حين يتعثّر من نقارن أنفسنا به. وكما تحدّثنا في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن هذه اللذة لا تُشفى بإنكارها أو التظاهر بأننا فوقها، بل بالاعتراف بها أولًا، كما فعلت سابيا، قبل أن نطلب الشفاء منها.
وما يُشفي الحسد، في النهاية، ليس عمًى دائمًا، بل نوعٌ آخر من النظر: أن ننظر إلى الآخرين لا لنقيس أنفسنا بهم، بل لنراهم كما هم، بلا مقارنة. وهذا بالضبط ما وصلنا إليه في مقال الانتباه أندرُ أشكال الكرم: أن الانتباه الحقيقي، غير المشوب برغبة المقارنة، هو أرقى صور العطاء التي نملكها. فالعين التي تنظر إلى خير غيرها فتفرح به لا تحتاج خيوطًا من حديد لتتعلّم؛ فقد تعلّمت أصلًا أن تنظر بلا حسد.
ومثلما وجد الحاسدون في جبل المطهر من يسند كتفه إليهم، نجد نحن اليوم علاج الحسد نفسه في مقال حين يبرد طعامنا ونحن ننظر إلى صحن الجار، حيث الدواء الذي يقترحه بيتنا نفسه: أن نتمنّى لغيرنا الخير حتى نستحقّه نحن أيضًا. ومن أراد أن يرى صورًا أخرى لهذا الداء القديم، يجدها في مقال مرآةٌ نُسمّيها صديقًا، حيث يكشف لاروشفوكو كيف يتسلّل الحسد أحيانًا إلى أقرب صداقاتنا؛ أو في مقال لا نحسد الشجرة على طولها، حيث يذكّرنا سبينوزا أننا لا نحسد إلا من نشبهه. وحين نتعلّم أن ننظر بلا مقارنة، نصل إلى الباب نفسه الذي يفتح على محطتنا التالية في هذه الرحلة، حيث يُختبر هذا الدرس في أشدّ لحظاته سخونة، في مقال فنّ ألّا تُشعل النار.

