
في آخر صفحاتِ روايةِ «ميدلمارش» (1871–1872)، التي يعدّها كثيرٌ من النقّاد أعظم رواية كُتبت بالإنجليزية، لا تكافئ الكاتبة جورج إليوت بطلتها دوروثيا بانتصارٍ عظيم. لا تصير مصلحةً اجتماعية مشهورة، ولا تُخلَّد باسمها مدرسة أو مستشفى. تعيش، ببساطة، حياةً عادية، تصنع فيها خيرًا صغيرًا لا يعرفه أحد خارج دائرتها الضيقة. وفي الجملة الأخيرة من الرواية، تكتب إليوت شيئًا يستحق أن يُقرأ ببطء: أن هذا النوع من الخير، لا الأفعال الكبرى التي تُروى في الكتب، هو ما يبقي العالم من الانهيار.
جورج إليوت اسمٌ مستعار اختارته الكاتبة الإنجليزية ماري آن إيفانز (1819–1880) لتُقرأ رواياتها بجدّية لم تكن لتُمنح لامرأةٍ في عصرها. وكانت عارفةً بعمق النفس البشرية إلى درجةٍ جعلت الروائي هنري جيمس نفسه، الذي تعرّفنا على حكايته في مقال جملةٌ قالها ثلاث مرّات، يصفها بأنها أعظم عقلٍ روائي في جيلها. ولم تكتب إليوت عن أبطالٍ استثنائيين، بل عن ناسٍ عاديين في بلدةٍ إنجليزية صغيرة، وهذا بالذات ما جعلها قادرة على أن ترى ما لا يراه من يبحث عن العظمة فقط.
الأفعال التي لا تُكتب في كتاب
وفي أحد أكثر مشاهد الرواية دفئًا، حين تسأل دوروثيا صديقتها لماذا لا تزال تهتم بمصير رجلٍ آذاها في السابق، تجيبها بسؤالٍ يوجز فلسفة الرواية كلها:
لماذا نحيا، إن لم يكن لنجعل الحياة أقل صعوبةً على بعضنا بعضًا؟جورج إليوت · «ميدلمارش»، الفصل 72، 1872
وهذا السؤال ليس بلاغةً فارغة، بل مبدأ عملي: أن معنى الحياة، عند إليوت، لا يُقاس بإنجازٍ يُخلَّد، بل بمقدار ما نخفّفه عن الآخرين من ثقلٍ يحملونه وحدهم. وهذا يعيد اللطف إلى حجمه الحقيقي: ليس بطولةً استثنائية، بل قرارًا يوميًّا صغيرًا بأن نجعل يوم شخصٍ آخر أخفّ قليلًا ممّا كان سيكون بدوننا.

وفي هذه اللوحة، لا شيء يستدعي الانتباه: امرأةٌ منحنية على عملٍ صغير دقيق، لا يراها أحد وهي تصنعه، ولن يعرف من يلبس ثمرة عملها اسمها يومًا. وهذا بالضبط ما تحتفي به إليوت في رواياتها: أن أكثر الخير أثرًا هو غالبًا أقلّه ضجيجًا، يصنعه أناسٌ لن تُكتب سيرتهم، ومع ذلك يبقى أثرهم فينا بعد أن ننسى أسماءهم. وقد لمسنا هذا المعنى نفسه حين تعرّفنا على فِرِد روجرز في مقال الطفل الذي قاد الأعمى: أن اللطف الحقيقي لا يُعلَن على مسرح، بل يحدث في تفاصيل يومٍ عادي لا يلحظه أحد.
قبرٌ لا يزوره أحد، وخيرٌ لا يتوقف
وفي الفقرة الأخيرة من «ميدلمارش»، تلخّص إليوت هذا كله في جملةٍ صارت من أشهر خواتيم الأدب الإنجليزي، تكتب فيها عن أثر بطلتها المتواضع على من حولها:
فالخير المتنامي للعالم يعتمد جزئيًا على أفعالٍ لا تُروى؛ وأنّ الأمور ليست بيننا بهذا السوء الذي كان يمكن أن تكون عليه، يعود جزئيًا إلى من عاشوا حياةً خفية بإخلاص، ويرقدون في قبورٍ لا يزورها أحد.جورج إليوت · «ميدلمارش»، خاتمة الرواية، 1872
وهذه الجملة تصدر أصلًا من صدى قصيدةٍ أقدم عرفها كل قارئٍ إنجليزي تقريبًا: «مرثية كُتبت في ساحة كنيسةٍ ريفية» للشاعر توماس غراي، التي تتأمل قبور فلاحين مجهولين ماتوا دون أن يعرف التاريخ أسماءهم، وتقول إن زهرةً كثيرةً «تولد لتذبل من غير أن يراها أحد». وإليوت، بإشارتها إلى «القبور التي لا يزورها أحد»، تضع بطلتها في هذا الصفّ نفسه: صفّ من عاشوا خيّرين دون أن يطلبوا شاهدًا على خيرهم.

ولعلّ أجمل ما في فكرة إليوت أنها لا تدعونا إلى الزهد في الأثر، بل إلى تحرير اللطف من حاجته إلى شاهد. فكم من كلمةٍ طيبة قلناها لأحدهم في يومٍ صعب، أو مساعدةٍ صغيرة قدّمناها دون أن ننتظر شكرًا، صارت جزءًا من نسيج حياته دون أن نعرف نحن أنفسنا أثرها؟ وهذا ما جعل الفيلسوفة سيمون فايل، في مقالنا عنها الانتباه أندرُ أشكال الكرم، تصف الانتباه بأنه أندر أشكال الكرم: لأنه، مثل خير إليوت، لا يُقاس بحجمه بل بصدقه.
وكما رأينا مع كارل يونغ في مقال الظلّ الذي ننكره، فإن أكثر ما يخيفنا أحيانًا ليس أن نفعل الخير، بل أن نفعله دون أن يُرى: كأن جزءًا فينا لا يثق بأن الفعل يستحق العناء إن لم يشهده أحد. وهذا بالضبط ما تعالجه إليوت في نهاية روايتها: أن الفعل يستحق العناء لذاته، لا لأثره على صورتنا في عين الآخرين، وهذا ما يجعل اللطف، حين يتحرر من الحاجة إلى الشهود، أصدق ما يكون.
ولم تكن حياة إليوت نفسها بعيدة عن هذا الدرس؛ فقد عاشت جزءًا كبيرًا منها في عزلةٍ اجتماعية بسبب علاقتها بشريكها جورج هنري لويس خارج مؤسسة الزواج الرسمية في عصرها المحافظ، ومع ذلك واصلت الكتابة بإخلاصٍ لم يكن يبحث عن رضا أحد. وربما هذا ما منحها القدرة على أن ترى الخير الخفي بهذا الوضوح: لأنها عرفت بنفسها كيف يكون المرء صادقًا في فعله حتى حين لا يصفّق له أحد.
خيرٌ لا يُقاس بمن يراه
وحين نضع الكتاب جانبًا بعد قراءة تلك الجملة الأخيرة، يبقى فينا سؤالٌ هادئ لا صاخب: كم من «القبور التي لا يزورها أحد» في حياتنا نحن أنفسنا صنعناها بأفعالٍ صغيرة لن يعرف أحد أننا فعلناها؟ وإليوت تطمئننا: أن هذا بالضبط هو الخير الذي يكبر، ببطء وفي صمت، حتى يصير هو نفسه ما يجعل العالم أقل قسوةً ممّا كان يمكن أن يكون. فلا حاجة إلى أن يُروى فعلنا لكي يكون له أثر؛ يكفي أن يكون صادقًا، وأن نمنحه دون أن ننتظر أن يعرف أحد أننا منحناه.
وللّطف حين يكون ميزانًا لا فيضًا، محطّةٌ قادمة في رحلتنا، حين نتعلّم ألّا نفرط في العطاء حتى ننهك أنفسنا، ولا نبخل به حتى نجفّ؛ تجد هذه الزاوية في مقال الميزان الداخلي. وللقلب الذي يخشى ألّا يُرى خيره محطّةٌ سابقة في هذه الرحلة نفسها، حين تعلّمنا أن الحسد يذوب حين نتوقف عن مقارنة أنفسنا بالآخرين، في مقال اللص الذي فينا لا في الجار.

