لوحة تصوّر راهبًا كارثوزيًا هادئًا، برتوس كريستوس، بورتريه صامت لرجلٍ اختار الانسحاب من صخب العالم
برتوس كريستوس، «بورتريه راهبٍ كارثوزي»، 1446 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

لم يكن توما الأكمبيسي (Thomas à Kempis) فيلسوفًا بالمعنى الذي نعرفه، ولا واعظًا يخطب من فوق منبر. كان راهبًا هادئًا في دير صغير قرب مدينة زوله الهولندية، يقضي أيامه في النسخ والصلاة والصمت. ومن ذلك الصمت، كتب كتابًا صغيرًا اسمه «الاقتداء بالمسيح»، صار على مدى ستة قرون أحد أكثر الكتب قراءةً في التاريخ بعد الكتب المقدسة نفسها. وفي قلب هذا الكتاب جملةٌ واحدة كافية لتلخيص كل ما أراد أن يقوله عن التواضع.

خيرٌ من فلاحٍ متواضعٍ يخدم الله، فيلسوفٌ متكبّر يرصد النجوم ويهمل معرفة نفسه.توما الأكمبيسي، «الاقتداء بالمسيح»، الكتاب الأول

ولم يكن يقصد أن المعرفة رذيلة، فهو نفسه كان من أكثر رجال عصره قراءةً واطلاعًا. كان يقصد شيئًا أدقّ: أن نجمع المعرفة عن كل شيء إلا عن أنفسنا هو نوعٌ خفيّ من الهروب. يمكن أن نعرف مدارات الكواكب وتواريخ الممالك ونظريات الفلاسفة، ونبقى غرباء تمامًا عن دوافعنا الخاصة، عن الخوف الذي يحرّك طموحنا، عن الجرح القديم الذي نموّه بإنجازٍ جديد كل مرة. وهذا بالضبط ما وصفه كارل يونغ بعد الأكمبيسي بخمسة قرون حين قال إن أخطر أشكال الجهل ليس جهلنا بالعالم، بل جهلنا بظلّنا الخاص — ذلك الجزء منّا الذي نفضّل أن نراه في السماء البعيدة على أن نراه في المرآة القريبة.

معرفةٌ تبدأ من الداخل لا من فوق

وفي فصلٍ آخر من الكتاب نفسه، يذهب الأكمبيسي إلى ما هو أبعد من مجرد المفاضلة بين الفلاح والفيلسوف. فهو يكتب أن الإنسان الذي يعرف نفسه جيدًا يصبح حقيرًا في عين نفسه — لا بمعنى احتقار الذات، بل بمعنى أن يرى حجمه الحقيقي، دون تضخيمٍ ودون تصغير. وهذا هو بالضبط الخط الفاصل بين التواضع الصحي والتواضع المزيّف الذي تحدثنا عنه في مقال ثقلٌ نحمله باسم الكمال: فالتواضع الحقيقي ليس أن ننكر ما فينا من خير، بل أن نراه بلا مبالغة، وأن نرى حدودنا بلا خجل.

لوحة القديس أنطونيوس الكبير في البرية، سانو دي بيترو، ناسكٌ يجلس وحيدًا بين الصخور بعيدًا عن صخب العالم
سانو دي بيترو، «القديس أنطونيوس الكبير في البرية»، نحو 1440 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

ولعل أكثر ما يفاجئنا في هذا الراهب الهادئ أنه لم يكن قاسيًا مع نفسه بقدر ما كان صادقًا معها. فالتواضع عنده ليس جلدًا للذات، بل استراحة منها: حين نتوقف عن التمثيل أمام أنفسنا، تخفّ علينا أثقال كثيرة كنا نحملها بلا داعٍ. وهذا يذكّرنا بما رأيناه في مقال الرجل الذي لا يملك شيئًا، حين وجد ديوجين حريته الحقيقية في تخلّيه عن كل ما كان يخشى فقدانه — بما في ذلك صورته المتخيّلة عن نفسه.

إن كان فيك خيرٌ، فاعتقد أن في غيرك أكثر منه، لتحفظ تواضعك. فلا ضرر عليك أن تضع نفسك دون الجميع، لكن الضرر كل الضرر أن تضع نفسك فوق واحدٍ منهم.توما الأكمبيسي، «الاقتداء بالمسيح»، الكتاب الأول

الحكمة التي لا تحتاج مرصدًا

لم يطلب الأكمبيسي من أحد أن يترك العلم أو يهجر الفلسفة. طلب فقط ألا ننسى، ونحن نرصد كل شيءٍ بعيد، أن ننظر أحيانًا إلى الأقرب: إلى دوافعنا، إلى مخاوفنا، إلى الصورة التي نحاول أن نبنيها عن أنفسنا أمام الآخرين. فالفلاح في مثاله ليس جاهلًا يُحتذى به لجهله، بل إنسانٌ لا يشغله أن يبدو عظيمًا، فيتفرّغ لما هو أهم: أن يعيش بصدقٍ مع الحياة التي بين يديه.

لوحة أطفالٌ يجمعون الحطب في كوخٍ ريفي بسيط، توماس غينزبره، مشهدٌ هادئ من الحياة الريفية المتواضعة
توماس غينزبره، «أطفال الكوخ (جامعو الحطب)»، 1787 — متحف المتروبوليتان · ملكية عامة

وهذه بالضبط هي الهدية التي يقدّمها التواضع لمن يقبلها: راحةٌ من عبء أن نبدو دائمًا في أفضل حال، وفسحةٌ لنكون كما نحن فعلًا. ومن هذه الفسحة الهادئة، حيث لا نخاف أن نُرى على حقيقتنا، يبدأ نوعٌ آخر من الغنى — غنى لا يُقاس بما نعرفه عن الكون، بل بما نمنحه للآخرين دون أن نطلب مقابلًا. وهذا بالضبط ما ينتظرنا في محطتنا التالية: النبع لا يفتقر لأنه يجري، حيث يتّسع القلب الذي عرف حدوده أخيرًا، فصار قادرًا أن يعطي بلا خوف.